الصفحة 73 من 330

فلسطين، ومشارقها ومغاربها أي كلها، من النهر إلى البحر، وهذه هي حدود الأرض المقدّسة والمباركة، وحدود مملكة اليهود القديمة. لنخلص إلى أن الأرض المقدّسة والمباركة هي فلسطين فقط، وليس بلاد الشام عامة. إذ أن موسى عليه السلام، كان يتواجد وقومه شرقي نهر الأردن، ولو كان شرق النهر أرضا مقدّسة، لما قال ادخلوا الأرض المقدسة وهو بداخلها أصلا. وشرق النهر لم يورّث لبني إسرائيل، وإنما أقاموا فيه فترة الغضب الإلهي عليهم، ومن ثم تركوها وارتحلوا إلى فلسطين.

وصلنا إلى مرحلة تحقق العلو، بوحي من الله وقيادة أنبياؤه وملوكه، وكان هذا هو العلو الأول لبني إسرائيل، وأما الإفساد فلم يكن قد وقع منهم بعد، كون الملك اقترن بالنبوة، وما كان للأنبياء عليهم السلام أن يفسدوا في الأرض، ونجد أن النبي التالي لسليمان في الذكر، من أنبياء بني إسرائيل في القرآن، هو زكريا ومن بعده يحيى، وكان آخرهم عيسى عليهم السلام جميعا. وقد بعث الثلاثة بالتتابع وعاصر بعضهم بعضا، وكان ذلك بعد فترة طويلة من وفاة سليمان، وبعد عيسى لم يُبعث فيهم أنبياء، ويقدّر المؤرخون بأن المدة ما بين سليمان وعيسى، بأكثر من 900 سنة.

وما كان بعث عيسى عليه السلام بالإنجيل، إلا لتجديد الشريعة التي جاء بها موسى، بعد أن أضاع بنو إسرائيل التوراة واختلفوا في أمرها. قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(63 الزخرف) . ويُثبت التاريخ أن بعث عيسى عليه السلام، كان في زمن الحكم الروماني للمنطقة، مما يعني أن هذا العلو الذي تحصّل عليه بنو إسرائيل قد زال واندثر. مما يترتب عليه أن الإفساد قد وقع، وأن البعث قد تحقق، في الفترة الممتدة ما بين سليمان وعيسى عليهما السلام، في زمن أقرب إلى حكم سليمان منه إلى بعث عيسى.

المملكة اليهودية بعد سليمان:

وليس من المعقول أن نجزم بأن مملكة سليمان انهارت بموته. وبما أن نظام الحكم، كان ملكيا وراثيا كما أقرّه القرآن، فلا بد أن يكون الملك، قد انتقل إلى أحد أبناء سليمان، الذين لم يكونوا أنبياء في واقع الحال، فالنبوة آنذاك خرجت من الملك، وأصبحت في عامة الشعب، وهنا تحرّر العصاة والمعتدين من اليهود، من عبدة المال والسلطة تجارا ومرابين، من حكم وملك الأنبياء، حيث كان الوحي يقف سدّا منيعا، أمام طموحاتهم وأحلامهم، في نهب ثروات البلاد والعباد، فهم أبناء الذين قال فيهم تعالى (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79 القصص) .

وعلى مر السنين تغيّرت الأحوال، وتغلغل المرابين والتجار في أوساط الحكم، وتبادلوا المصالح والمنافع، وأصبحوا من علية القوم، ليفرضوا على الملوك، ما شاءوا من سياسات تخدم مصالحهم. ولو راجعت التوراة المؤرخ الوحيد لتلك الفترة، لوجدت أن عدد الملوك الذين تعاقبوا على الحكم، على مدى 300 سنة تقريبا، هو 22 ملكا، وهو عدد كبير نسبيا، بمعدل 14 سنة حكم لكل ملك. وذلك لكثرة الاغتيالات، التي كان يدبّرها ويوقعها فيهم علية القوم، ومن والاهم من الكهنة والأحبار، سواء من صلح أو فسد، من هؤلاء الملوك. والملاحظ أيضا أن معظم ملوكهم، كانوا صغارا في السن، وربما كان ذلك هو الغاية من قتل آبائهم، فوجود ملك صغير السن، يسهل عليهم السيطرة على شؤون الحكم، ليكونوا هم خبرائه ومستشاريه، وهذه هي سياستهم في العصر الحالي، في شتى بقاع الأرض. وعلى الجانب الآخر كان هناك الأنبياء، الذين لم ينقطع بعثهم في بني إسرائيل، ليعيدوا أولئك العصاة إلى حظيرة الإيمان، بدعوتهم إلى العودة إلى شرع الله، وتذكيرهم وتحذيرهم بما قضاه الله عليهم إن أفسدوا في الأرض.

تخبرنا كثير من الآيات القرآنية عن إفساد بني إسرائيل، حيث الشرك بالله، وتكذيب فريق من الأنبياء، وقتل فريق آخر، وقتل أولياء الله من الناس، وسفك دماء فريقا من قومهم وإخراجهم من ديارهم، وتحريف الكهنة والأحبار، لكتاب الله ليوافق أهواء علية القوم، والاعتداء على حدود الله، وعصيان أوامره، وأكلهم الربا وأموال الناس بالباطل ... إلى آخره. ومجمل هذه الآيات تخاطب بني إسرائيل كأمة. فأين ومتى وقع منهم هذا الإفساد الأممي ... ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت