وهل تحقّق الإفساد الأول؟
قال تعالى (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ(87 البقرة) ، والخطاب هنا موجه لمن يملك سلطة القتل، وهم سادة الحكم وعلية القوم، فتارة كانوا يكذّبون الأنبياء وأولياء الله، الذين بُعثوا من قبله سبحانه للإصلاح، وتارة يقتلونهم، بدفع من الكهنة والأحبار والتجار،، لتعارض ذلك مع رغباتهم وأهوائهم، (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(21 آل عمران) ، فلا أشدّ وأعظم إفسادا في الأرض عند الله، من قتل الناس وسفك دمائهم بغير حق، فما بالك إذا كان القتل في أنبياء الله وأولياءه الصالحين، فهذا قمّة في الإجرام والإسراف والعصيان والتمرد والعدوان، ولا أظنّ أن هناك إفساد في الأرض، يُقارن بهذا الإفساد، فلم يسبق لقوم من الأقوام السابقين واللاحقين، أن قتلوا أنبياءهم سوى بني إسرائيل، وما إفسادهم الحالي في دولتهم الحالية، إلا صورة طبق الأصل عن الإفساد الأول في دولتهم الأولى، ولو بُعث فيهم أنبياء في هذا العصر لقتلوهم بلا شك، فقد قتلوا رئيس وزرائهم (رابين) ، بدفع وتحريض من الحاخامات، كونه لبس ثوب الصلاح فقط، بإظهاره شيئا من اللين مع الفلسطينين، لا لأنه مُصلح.
قال تعالى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ(84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (85 البقرة) . توحي هاتين الآيتين، أن سادة الحكم كانوا يستضعفون طائفة من قومهم، ظلما وعلوا بغير وجه حق - وهذا نفس فعل فرعون - فأوقعوا فيهم القتل، والنهب والسلب، وأخرجوهم من ديارهم واستولوا عليها. فاضطروا إلى اللجوء إلى أرض أعدائهم، وعلى ما يبدو أنهم كانوا يُجبرون على خوض المعارك، إلى جانب أعداء مملكة بني إسرائيل، وعند وقوع المعركة، كان هؤلاء المستضعفين يُحجمون عن قتال بني جلدتهم، ويقومون بتسليم أنفسهم، ظنّا منهم بأن أبناء جلدتهم، سيتركونهم ليعودوا إلى أهليهم بعد انتهاء المعركة، فما كان من أولئك الظلمة، إلا أن عاملوهم كأسرى العدو، فحبسوهم وطالبوا ذويهم بالفدية.
وأما مظاهر الإفساد الأخرى فمنها:
1.الشرك بالله:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ(51 النساء)
(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ(60 المائدة)
(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(31 التوبة)
2.نقض الميثاق وكتمان كلام الله وإخفائه وتحريفه:
(فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(13 المائدة)
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ(187 آل عمران)