وفي عهد الملك (يهوياكين) "24: 10: ... زحف قادة نبوخذ نصر ملك بابل على أورشليم، وحاصروا المدينة، ثم جاء نبوخذ نصر بنفسه وتسلّم زمام القيادة، فاستسلم (يهوياكين) ... واستولى على جميع ما في خزائن الهيكل والقصر، ... ، تماما كما قضى الرب، 14: وسبى نبوخذ نصر أهل أورشليم،" (وكما يقولون أنه ولّى ابن عم الملك خلفا له، وسمّاه صدقيّا، وبعد سنوات ارتكب صدقيّا الشر في عيني الرب كالعادة، وتمرّد على ملك بابل، وآنذاك) ،"25: 1: زحف نبوخذ نصر ملك بابل، بكامل جيشه على أورشليم وحاصرها، ... ، 3: تفاقمت المجاعة في المدينة، حتى لم يجد أهلها خبزا يأكلونه، 6: فأسروا الملك (الذي كان ينوي الهرب) واقتادوه إلى ملك بابل، ... ، ثمّ قتلوا أبناء صدقيّا على مرأى منه، وقلعوا عينيه، وساقوه إلى بابل، ... ، 9: وأحرق الهيكل وقصر الملك وسائر بيوت أورشليم، وسبى نبوزرادان (قائد الحرس الملكي) بقية الشعب ... ، 121، ولكنه ترك فيها فقراء الأرض المساكين. 13: وحطم الكلدانيون أعمدة النحاس وبركة النحاس ... إلى آخره، (كل محتويات الهيكل ونقلوها إلى بابل) ، 18: وسبى رئيس الحرس الملكي (سرايا رئيس الكهنة وأعوانه وقادة الجيش وندماء الملك، وفي المجمل هم علية القوم وزمرة الفساد والإفساد في الأرض) فقتلهم ملك بابل في المعسكر في أرض حماة (المدينة السورية) ، وهكذا سُبي شعب يهوذا من أرضه".
فما أطول باله هذا النبوخذ نصر، حتى يزحف عليهم مرارا وتكرارا. والحقيقة أنه زحف عليهم مرة واحدة، وبشكل مفاجئ فأباد مملكتهم، وما هذا التطويل والتطويل والتكرار، إلا من صنع أيدي الكتبة، وما (يهوياقيم) و (يهوياكين) ، إلا تسميتين لنفس الملك الذي حصل في عصره السبي البابلي.
مملكة واحدة وبعث واحد:
ما تقدم من نصوص، كان من الأسفار، التي يُسمّونها الأسفار التاريخية، التي أرخّت لعصر الملوك، ابتداءً من طالوت وداود وسليمان، وانتهاءً بيهوياكين الذي وقع السبي البابلي في عصره. والحقيقة أنه لم يكن هناك مملكتين، ولم يكن هناك سبيين، وإنما مملكة واحدة وسبي واحد. ولكن نتيجة كتابة التوراة بتلك الطريقة المزدوجة، أصبحت المملكة مملكتين، وأصبح الزحف البابلي زحفين، ولحل الإشكال قولبوه في زمانين مختلفين.
أما إدّعاء انقسام المملكة، فالقرآن أثبت بطلانه في موضعين، أولا؛ ذُكر العلو مرتين كأمة في زمانين مختلفين، ثانيا؛ الآية التي تتحدث عن سفكهم دمائهم وإخراجهم أنفسهم، تؤكد أن ذلك لم يكن انشقاق في الحقيقة، بل كان ذلك قتل وإخراج وسلب، لطائفة مستضعفة من قومهم، وفي الحقيقة، وقع هذا الفعل، في سبط الأخ الشقيق ليوسف عليه السلام، الذي تُسميه التوراة (ببنيامين) ، وما كان بإمكان هؤلاء، إقامة دولة في أراضي الكنعانيين المجاورة، التي لجأوا إليها، وما كانت حروبهم مع المملكة الأم، إلا ضمن جيوش الكنعانيين وهو الأرجح، أو كثوّار لاسترداد أسلابهم وديارهم.
وربما أن بعضهم استنجد بالبابليين، كنوع من الانتقام، (بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى) فاستجابوا لهم، وربما كان ذلك طمعا في كنوز هيكل سليمان، والله أعلم. حيث لم يأتي أي ذكر في التاريخ للسبي الآشوري، لعشرة أسباط (قبائل) من المملكة الشمالية، حسب ما يدّعي مؤلفو التوراة، حتى أن بعض الباحثون الذين صدّقوا التوراة، يتساءلون عن كيفية اختفاء تلك القبائل، التي سُبيت إلى مدينة أشور برمتها، ومن المرجّح أن اختراع قصة المملكة الثانية وسبيها، هو أحد مظاهر الإسقاط النفسي، لمن عوقبوا، على الذين لم يُعاقبوا، من أُخرجوا من ديارهم رغم أنوفهم، تجنبا وتخفيفا للشعور بالألم، كلما طرأ على مخيلتهم تلك الذكرى الأليمة، ويحصل هذا عادة على المستوى الشخصي، فور تعرض الشخص لحادثة مؤلمة، فيعزو الأخطاء التي تسببت في الحادثة إلى الآخرين.