نجد أن رواية التلمود أكثر وضوحا من رواية التوراة، حيث أنها لم تذكر مملكتين، وتؤكد أن اسم المملكة الجنوبية، المقام فيها الهيكل هو إسرائيل، وليس يهوذا كما ذُكر في التوراة. وأن من أسقطوا عليهم اسم إسرائيل والمملكة الشمالية، هم الذين أُخرجوا من ديارهم، ولم يقع فيهم السبي الآشوري المزعوم، وبقوا على حالهم خارج حدود المملكة، حيث يذكر النص التلمودي أن ارميا النبي لجأ إليهم"ترك النبي أورشليم وسافر إلى بلاد بنيامين". وبنيامين حسب التوراة، هو الأخ الشقيق ليوسف عليه السلام، وهذا يوحي أن الحقد القديم بين الأخوة الآباء، توارثه الأبناء على مرّ العصور، وبأن الأسباط الأخرى القوية، أخرجت سبط بنيامين المستضعف، عندما سيطرت على مقاليد الحكم، بعد سليمان عليه السلام. وبالتالي يُثبت هذا النص وقوع السبي البابلي، وينفي وقوع السبي المسمى بالآشوري. وأن أشور وبابل آنذاك، تسميتان لمملكة واحدة، عند كتبة التوراة، وأن أحد مصادر التوراة ذكر على أنه بابلي، والأخر ذكره على أنه آشوري، وأما نبوخذ نصر، فتجده أحيانا ملكا، وأحيانا وزيرا أو قائدا للجيش، أو قائدا للحرس.
مقتطفات من رثاء ارميا لشعبه ولأورشيلم بعد السبي البابلي:
(من كتاب مراثي ارميا في نهاية سفره) :"1: كيف أصبحت المدينة الآهلة بالسكان مهجورة وحيدة؟! هذه التي كانت عظيمة بين الأمم، صارت كأرملة! صارت السيدة بين المدن تحت الجزية! تبكي في الليل بمرارة، وتنهمر دموعها على خدّيها، لا مُعزّي لها بين مُحبيها، غدر بها جميع خلّانها، وأصبحوا أعداءً لها، سُبيت يهوذا إلى المنفى، ... ، فأقامت شقية بين الأمم، ... ، تهدّمت جميع أبوابها، ... ، ارتكبت أورشليم خطيئة نكراء فأصبحت نجسة، ... ، لم تذكر آخرتها لهذا كان سقوطها رهيبا، ... ، بدّد الربّ جميع جبابرتي في وسطي، وألّبَ عليّ حشدا من أعدائي ليسحقوا شُبّاني، داس الربّ العذراء بنت صهيون، كما يُداس العنب في المعصرة، ... ، الربّ عادل حقا، وقد تمرّدت على أمره، فاستمعوا يا جميع الشعوب، واشهدوا وجعي، قد ذهب عذارايَ وشبّاني إلى السبي، ... ، فَنِيَ كهنتي وشيوخي في المدينة، ... ، ها السيف يثكل في الخارج، ويسود الموت في البيت ...".
"2: قد هدم الربّ بلا رحمة، جميع مساكن يعقوب، ... ، وألحق العار بالمملكة وحكّامها، إذ سوّاها بالأرض، ... ، وتّر قوسه كعدوّ، نصب يمينه كمُبْغِض، ذبح بقسوة كلّ عزيز في عيوننا، ... ، وهدم جميع قصورها ودمّر حصونها، ... ، جلس شيوخ ابنة صهيون على الأرض صامتين، عفّروا رؤوسهم بالرماد، وارتدوا المسوح، وطأطأت عذارى أورشليم رؤوسهن إلى الأرض، كلّت عيناي من البكاء، ... ، نفّذ الرب قضاءه، وحقق وعيده الذي حكم به منذ الحقب السالفة، هدم ولم يرأف، فأشمت بك الخصوم، وعظّم قوة عدوك، ... ، انظر يا ربّ وتأمّل، ... ، قد انطرح الصبيان والشيوخ في غبار الطرقات، سقط عذارايَ وشُبّاني بالسيف، قد قتلتهم في يوم غضبك، ونحرتهم من غير رحمة ..."
"3: أنا هو الرجل الذي شهد البلية، التي أنزلها قضيب سخطه، ... ، ولكن هذا ما أُناجي به نفسي، لذلك يغمرني الرجاء، من إحسانات الرب، أننا لم نفنَ، لأن مراحمه لا تزول، ... ، فلماذا يشتكي الإنسان حين يُعاقب على خطاياه؟ ... ، لنفحص طرقنا ونختبرها، ونرجع إلى الرب، لنرفع أيدينا وقلوبنا إلى الله في السماوات، ..."
"4: ... ، لأن عقاب إثم ابنة شعبي، أعظم من عقاب خطيئة سدوم، التي انقلبت في لحظة، من غير أن تمتدّ إليها يد إنسان، كان نُبلاؤها، أنقى من الثلج، وأنصع من اللبن، أجسادهم أكثر حمرة من المرجان، وقاماتهم كالياقوت الأزرق، فأصبحت صورتهم أكثر سوادا من الفحم، فلم يُعرفوا في الشوارع، ... ، نفث الربّ كامل سخطه، وصبّ حموّ غضبه، وأضرم نارا في صهيون، فالتهمت أُسسها، ... ، عقابا لها على خطايا أنبيائها، وآثام كهنتها، الذين سفكوا في وسطها دماء الصدّيقين، ... ، آذنت نهايتنا، وتمّت أيامنا، وأزِفت خاتمتنا، كان مُطاردونا أسرع من نسور السماء، تعقّبونا على الجبال، وتربّصوا بنا في الصحراء، ..."
"5: اذكر يا ربّ ما أصابنا، انظر وعاين عارنا، قد تحوّل ميراثنا إلى الغرباء، وبيوتنا إلى الأجانب، أصبحنا أيتاما لا أب لنا، وأمهاتنا كالأرامل، ... ، داس مُضطهدونا أعناقنا، أُعيينا ولم نجد راحة، خضعنا باسطين أيدينا إلى أشور ومصر، لنشبع خبزا، ... ، تسلّط"