وأما ما سألت عنه يا أمير المؤمنين من أمر أهل الذمة وكيف تركت لهم البيع والكنائس فِي المدن والأمصار حين افتتح المسلمون البلدان ولم تهدم ، وكيف تركوا يخرجون بالصلبان فِي أيام عيدهم ؟.
فإنما كان الصلح جرى بين المسلمين وأهل الذمة فِي أداء الجزية وفتحت المدن عَلَى أن لا تهدم بيعهم ولا كنائسهم داخل المدينة ولا خارجها وَعَلَى أن يحقنوا لهم دماءهم وَعَلَى أن يقاتلوا من ناوأهم من عدوهم ويذبوا عنهم ، فأدوا الجزية إليهم عَلَى هذا الشرط وجرى الصلح بينهم عليه وكتبوا بينهم الكتاب عَلَى هذا الشرط عَلَى أن لا يحدثوا بناء بيعة ولا كنيسة ، فافتتحت الشام كلها والحيرة إلا أقلها عَلَى هذا .
فلذلك تركت البيع والكنائس ولم تهدم .
قَالَ أَبُوْ يُوْسُفَ:
[285] حَدَّثَنِي بعض أهل العلم عن مكحول الشامي أن أبا عبيدة بن الجراح صالحهم بالشام واشترط عليهم حين دخلها عَلَى أن تترك كنائسهم وبيعهم عَلَى أن لا يحدثوا بناء بيعة ولا كنيسة ، وَعَلَى أن عليهم إرشاد الضال وبناء القناطر عَلَى الأنهار من أموالهم ، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام وَعَلَى أن لا يشتموا مسلما ولا يضربوه ، ولا يرفعوا فِي نادي أهل الإسلام صليبا ولا يخرجوا خنزيرا من منازلهم إِلَى أفنية المسلمين ، وأن يوقدوا النيران للغزاة فِي سبيل الله ، ولا يدلوا للمسلمين عَلَى عورة ، ولا يضربوا نواقيسهم قبل أذان المسلمين ولا فِي أوقات أذانهم ولا يخرجوا الرايات فِي أيام عيدهم ، ولا يلبسوا السلاح يوم عيدهم ولا يتخذوه فِي بيوتهم .
فإن فعلوا من ذلك شيئا عوقبوا وأخذ منهم .
فكان الصلح عَلَى هذا الشرط فقالوا لأبي عبيدة: اجعل لنا يوما فِي السنة نخرج فيه صلباننا بلا رايات ، وهو يوم عيدنا الأكبر .
ففعل ذلك لهم وأجابهم إليه ، فلم يجدوا بدا من أن يفوا لهم بما شرطوا