فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 130

أنه أُوحِىَ إليَّ أنّكم تُفتنون في القبور؟".قالت عائشة: فسمعتُ رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - بَعْدُ يستعيذُ من عذاب القبر. [1] "

قال العلماء [2] :"إن النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - نفى فتنة القبر أوّلًا عن أهل التوحيد، اجتهادًا منه، لمّا وجد أماراتٍ تدلُّ على أن عذاب القبر خاصٌّ بالكفار.ثمّ أُوحي إليه بأن من أهل التوحيد من يُعذّب في قبره، فرجع عن اجتهاده، وأخبر بما نزل عليه به الوحي في ذلك."

وفي هذا الحديث إلزامٌ قويٌّ لمن احتجّ باجتهاد النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا وخطأه فيها، كما في حديث تأبير النخل، على أن السنَّة في أمور الدنيا ليست وحيًا.فهذا الحديث وقع فيه للنبيّ - - صلى الله عليه وسلم - اجتهادٌ في أمر عقدي من أمور الدين، وأخطأ فيه، فهل سيلتزمون بطريقة استدلالهم: أن السنَّة في أمور العقيدة أو الدين عمومًا ليست وحيًا؟! هذا مما يدل على وهاء استدلالهم.

وفي ذلك يقول القاضي عياض (ت544هـ) في"الشفا بتعريف حقوق المصطفى":"وأمّا أقواله الدنيويّة: من إخباره عن أحواله وأحوال غيره، وما يفعله أو فعله، فقد قدّمْنا أن الخُلفَ فيها ممتنع عليه من كل حال وعلى أي وجهٍ: من عمدٍ أو سهوٍ، أو صحّةٍ أو مرضٍ، أ و رضيً أو غضب.وأنه - - صلى الله عليه وسلم - معصومٌ فيما طريقُه الخبر المحض مما يدخله الصِّدْقُ والكذب" [3] .

وبذلك نخلص أن اجتهاد النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا والدِّين لا يُخْرِجُ السنَّة عن أن تكون بوحي؛ لأن اجتهاده - - صلى الله عليه وسلم - في بعض المسائل لا ينفي أنه كان يُوحَى إليه بسنن غيرها ابتداءً (وهذا محلّ إجماع) ، وأمّا اجتهاده - - صلى الله عليه وسلم -: فهو إما أن يُقَرَّ عليه من ربّه -عز وجل-، وهو الغالب, بدليل قلّة المسائل التي صُوّبَ فيها اجتهاده - - صلى الله عليه وسلم - , وبدليل أنه - - صلى الله عليه وسلم - أَوْلَى الخلق بإصابة الحقِّ.

(1) - أخرجه مسلم رقم ( 584)

(2) - وقد شرحه الطحاوي في مشكل الآثار (13/191 - 198) ، والقرطبي في المفهم (2/207 - 208) والنووي في المنهاج شرح مسلم (3/87- 88) وغيرهم: بما دلَّ عليه ظاهر الحديث

(3) - الشفا -مع شرحه لملّا علي القاري- (4/471) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت