وهؤلاء أنفسهم يفتقرون إلى معرفة قدر أنفسهم، ثم فقه مقاصد الشرع وفقه حقائق الواقع، ولكن الغرور حجاب كثيف دون ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله !
فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا [1] .
وعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ السَّعْدِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمَالُ الَّذِي لَيْسَ عَلَيَّ فِيهِ تَبِعَةٌ، مِنْ طَالِبٍ وَلا مِنْ ضَيْفٍ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: نِعْمَ الْمَالُ أَرْبَعُونَ، وَالْكَثْرَةُ سِتُّونَ، وَوَيْلٌ لأَصْحَابِ المِئِينَ، إِلاَّ مَنْ أَعْطَى الْكَرِيمَةَ، وَمَنَحَ الْغَزِيرَةَ، وَنَحَرَ السَّمِينَةَ، فَأَكَلَ وَأَطْعَمَ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَكْرَمُ هَذِهِ الأَخْلاَقِ، لاَ يَحِلُ بِوَادٍ أَنَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ نَعَمِي، فَقَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِالْعَطِيَّةِ ؟ قُلْتُ: أُعْطِي الْبَكْرَ، وَأُعْطِي النَّابَ، قَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي الْمَنِيحَةِ ؟ قَالَ: إِنِّي لأَمْنَحُ الْمِئَةَ، قَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي الطَّرُوقَةِ ؟ قَالَ: يَغْدُوا النَّاسُ بِحِبَالِهِمْ، وَلاَ يُوزَعُ رَجُلٌ مِنْ جَمَلٍ يَخْتَطِمُهُ، فَيُمْسِكُ مَا بَدَا لَهُ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: فَمَالُكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ، أَمْ مَالُ مَوَالِيكَ ؟ قَالَ: مَا لِي، قَالَ: فَإِنَّمَا لَكَ مِنْ مَالِكَ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ أَعْطَيْتَ فَأَمْضَيْتَ، وَسَائِرُهُ لِمَوَالِيكَ، فَقُلْتُ: لاَ جَرَمَ، لَئِنْ رَجَعْتُ لأُقِلَّنَ عَدَدَهَا، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ جَمَعَ بَنِيهِ، فَقَالَ: يَا بَنِيَّ، خُذُوا عَنِّي، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْخُذُوا عَنْ أَحَدٍ هُوَ أَنْصَحُ لَكُمْ مِنِّي، لاَ تَنُوحُوا عَلَيَّ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يُنَحْ عَلَيْهِ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى عَنِ النِّيَاحَةِ، وَكَفِّنُونِي فِي ثِيَابِي الَّتِي كُنْتُ أُصَلِّي فِيهَا، وَسَوِّدُوا أَكَابِرَكُمْ، فَإِنَّكُمْ إِذَا سَوَّدْتُمْ أَكَابِرَكُمْ لَمْ يَزَلْ لأَبِيكُمْ فِيكُمْ خَلِيفَةً، وَإِذَا سَوَّدْتُمْ أَصَاغِرَكُمْ هَانَ أَكَابِرُكُمْ عَلَى النَّاسِ، وَزَهَدُوا فِيكُمْ، وَأَصْلِحُوا عَيْشَكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ غِنًى عَنْ طَلَبِ النَّاسِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمَسْأَلَةَ، فَإِنَّهَا آخِرُ كَسْبِ الْمَرْءِ، وَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَسَوُّوا عَلَيَّ قَبْرِي، فَإِنَّهُ كَانَ يَكُونُ شَيْءٌ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (100 ) وصحيح مسلم- المكنز - (6971 ) وصحيح ابن حبان - (10 / 432) (4571)