لحظة.والإيمان باللّه والتصديق بأوامره ونواهيه، والعمل الصالح الذي هو الترجمة الظاهرة للعقيدة المستكنة.والترابط بين العقيدة الباطنة والعمل المعبر عنها..هذه هي مناط الحكم، لا الظواهر والأشكال..وهذه القاعدة تحتاج إلى التوكيد والتكرار والبيان» [1] .
هنا يبدو لنا طرف من منهج التربية الإسلامي القرآني الرباني الحكيم.وهو المنهج الذي يمكن استقراؤه في الكثير من شرائعه وفرائضه وتوجيهاته.ونحن نشير إلى قاعدة من قواعد هذا المنهج بمناسبة الحديث عن الخمر والميسر.
عند ما يتعلق الأمر أو النهي بقاعدة من قواعد التصور الإيماني، أي بمسألة اعتقادية، فإن الإسلام يقضي فيها قضاء حاسما منذ اللحظة الأولى.
ولكن عند ما يتعلق الأمر أو النهي بعادة وتقليد، أو بوضع اجتماعي معقد، فإن الإسلام يتريث به ويأخذ المسألة باليسر والرفق والتدرج، ويهيّئ الظروف الواقعية التي تيسر التنفيذ والطاعة.
فعند ما كانت المسألة مسألة التوحيد أو الشرك: أمضى أمره منذ اللحظة الأولى.في ضربة حازمة جازمة.
لا تردد فيها ولا تلفت، ولا مجاملة فيها ولا مساومة، ولا لقاء في منتصف الطريق.لأن المسألة هنا مسألة قاعدة أساسية للتصور، لا يصلح بدونها إيمان ولا يقام إسلام.
فأما في الخمر والميسر فقد كان الأمر أمر عادة وإلف.والعادة تحتاج إلى علاج..فبدأ بتحريك الوجدان الديني والمنطق التشريعي في نفوس المسلمين، بأن الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع.وفي هذا إيحاء بأن تركهما هو الأولى..ثم جاءت الخطوة الثانية بآية سورة النساء: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» ..والصلاة في خمسة أوقات، معظمها متقارب، لا يكفي ما بينها للسكر والإفاقة! وفي هذا تضييق لفرص المزاولة العملية لعادة الشرب، وكسر لعادة الإدمان التي تتعلق بمواعيد التعاطي إذ المعروف أن المدمن يشعر بالحاجة إلى ما أدمن عليه من مسكر أو مخدر
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 973)