فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 608

وَسَيَكُونُ هَؤُلاَءِ الكِرَامُ مُخَلَّدِينَ فِي الجَنَّةِ أَبَدًا وَهَذا جَزَاءٌ لَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ ، وَاللهُ تَعَالَى عِنْدَهُ الأَجْرُ العَظِيمُ لِمَنْ آمَنَ وَجَاهَدَ ، وَقَامَ بِمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِ الإِسْلاَمُ .

قال الخطيب:"كان بعض مشركى مكة يقومون على خدمات في المسجد الحرام ، كالسقاية للحجيج ، وإطعام الوافدين للحجّ ، وتأمينهم ، وعمارة المسجد ، وفرشه ، وغير هذا مما كانت تتقاسمه قريش بين بيوتها من أعمال البيت الحرام."

فلما جاء الإسلام ، وحرّم على المشركين الاتصال بالمسجد الحرام ، والقيام بأى عمل فيه ، أوله ـ وقع في نفس هؤلاء الذين كانوا يقومون على تلك الأعمال ، أنهم بعد أن دخلوا الإسلام ، لا زالوا في حاجة إلى ما يملأ هذا الفراغ ، ويذهب بذلك القلق النفسي الذي استشعروه ، حين زال سلطانهم الديني على المسجد الحرام ، وقاصديه ..

وفى قوله تعالى: « أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » .. موازنة بين تلك الأعمال التي كان يعدّها المشركون من القربات ، وبين الإيمان الذي عمر قلوب المسلمين ، ووصلهم باللّه ربّ العالمين.

وفى هذه الموازنة ، تبدو تلك الأعمال التي كانوا يعملونها وهم متلبسون بالشرك ـ تبدو ضئيلة تافهة ، لا وزن لها إلى جانب الإيمان باللّه وما يملأ كيان المؤمن من الإيمان باللّه واليوم الآخر والجهاد في سبيل اللّه .. « لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ » .

وفى الموازنة بين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ، وبين من آمن باللّه واليوم الآخر ـ في هذه الموازنة ما يسأل عنه .. وهو: لما ذا جاءت الموازنة بين أعمال ، هى السقاية وعمارة المسجد الحرام ، وبين أشخاص هم المؤمنون باللّه واليوم الآخر ؟ وكيف تقوم موازنة بين أعمال وأشخاص ، ؟ إن المتصور هو أن تقوم الموازنة بين أعمال وأعمال ، أو بين أشخاص وأشخاص .. حتى يمكن أن يعرف الفاضل والمفضول ، والطيب والخبيث ، بالنظر في المتجانسين والموازنة بينهما ..فكيف هذا ؟

والجواب ـ واللّه أعلم ـ أن هؤلاء الأشخاص الذين كانوا يؤدّون تلك الأعمال ، ويحسبون أنها قربات عند اللّه ، وأنها تجعل لهم شأنا وذكرا عنده ، هى أشياء لا حساب لها في ميزان الأعمال ، إذ كانت غير مستندة إلى إيمان ، ولم يكن الذين يأتونها بالمؤمنين باللّه ..

والحديث عن هذه الأعمال ، دون الحديث عن أصحابها ، يشير إلى أن أصحابها لا معتبر لهم في موازين الناس ، ماداموا على غير الإيمان .. وعلى هذا التقدير جاء النظم القرآنى بأعمالهم ، ولم يجىء بهم ، إذ كانت الأعمال في ظاهرها حسنة طيبة ، ولكنها لا نعود بثمرة عليهم ، ولا تضاف لحسابهم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت