فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 608

أما المؤمنون باللّه ، واليوم الآخر والمجاهدون في سبيل اللّه ، فإنهم بإيمانهم باللّه وباليوم الآخر وبالجهاد في سبيله ، أصبحوا هم الصورة الكاملة للإنسان الكامل الذي ينظر إليه وإلى أعماله ، كأصل أصيل في تقويم الناس وأعمال الناس.

وقوله تعالى: « وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » إشارة إلى أن أصحاب هذه الأعمال الطيبة قد ظلموا هذه الأعمال ، إذ لم يزكّوها بالإيمان ، كما أنهم قد ظلموا أنفسهم ، إذ لم يظهروها من الرجس والشرك.

قوله تعالى: « الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ » في هذه الآيات عرض لمنازل المؤمنين فيما بينهم ، بعد أن ميّز الإيمان بينهم وبين المشركين ، وجعلهم جميعا في مقام كريم عند اللّه ، يتقبل أعمالهم الطيبة ، ويتجاوز عن سيئاتهم ، على حين لا يقبل من غير المؤمنين عملا ، ولو كان مما يدخل في باب الطيبات الصالحات من الأعمال.

والمؤمنون الذين هاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه ، أعظم درجة عند اللّه ، من الذين آمنوا وجاهدوا ولم يهاجروا .. والذين آمنوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه ، أعظم درجة عند اللّه من الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا .. وهكذا يتفاوت المؤمنون في منازلهم ودرجاتهم عند اللّه.

وأعلى درجة عند اللّه للمؤمنين ، هى درجة المهاجرين الذين جاهدوا في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم بعد أن اجتمع لهم الإيمان والهجرة ـ وقد وعدهم اللّه سبحانه وتعالى بالفوز برضوانه وجناته ، ينعمون فيها بنعيم مقيم ، لا ينفد ولا ينقطع أبدا .. (خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ »" [1] "

وفي تفسير المنار:"قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ ؟ مُقْتَضَى حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ الْخِطَابَ هُنَا لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَنَازَعُوا: أَيَّ هَذِهِ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ وَمُقْتَضَى حَدِيثَيْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْخِطَابَ لِلْمُشْرِكِينَ ، وَالِاسْتِفْهَامَ فِيهِ لِلْإِنْكَارِ ، وَتَشْبِيهُ الْفِعْلِ بِالْفَاعِلِ وَالصِّفَةِ بِالذَّاتِ كَإِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ مِنْ ضُرُوبِ الْإِيجَازِ الْمَعْهُودَةِ فِي بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ (2: 177) إِلَخْ . وَطَرِيقَةُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذَا مَعْرُوفَةٌ ، وَهِيَ تَحْوِيلُ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ لِيَتَّحِدَ الْمُشَبَّهُ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ ، وَالْمُسْنَدُ وَالْمُسْنَدُ إِلَيْهِ ، فَيَقُولُونَ هُنَا: أَجَعَلْتُمْ أَهْلَ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَأَهْلَ الْعِمَارَةِ لِلْبَيْتِ ، أَوْ فَاعِلَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَمُتَوَلِّيَهُ ، كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَخْ . وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِبَقِيَّةِ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا . أَوْ يَقُولُونَ:"

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 718)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت