فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 608

أَقُولُ: بِمِثْلِ هَذَا الْفَهْمِ لِلْقُرْآنِ وَالِاهْتِدَاءِ بِهِ فَتَحَ سَلَفُنَا الْبِلَادَ ، وَسَادُوا الْعِبَادَ ، وَكَانُوا خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ جِلْدَتِهِمْ ، وَالْمُشَارِكِينَ لَهُمْ فِي مِلَّتِهِمْ . وَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ مِنْ شُعُوبِ أُمَّتِنَا حَظٌّ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا تَغَنَّى بَعْضُهُمْ بِتِلَاوَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ وَلَا تَدَبُّرٍ ، وَاشْتِغَالِ آخَرِينَ بِإِعْرَابِ جُمَلِهِ ، وَنُكَتِ الْبَلَاغَةِ فِي مُفْرَدَاتِهِ وَأَسَالِيبِهِ ، مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَلَا فِقْهٍ فِيهَا ، وَلَا فِكْرٍ وَلَا تَدَبُّرٍ لِمَا أُوْدِعَ مِنَ الْعِظَاتِ وَالْعِبَرِ فِي مَطَاوِيهَا ، فَهُمْ يَتَشَدَّقُونَ بِأَنَّ: 30 خِفَافًا وَثِقَالًا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْحَالِ ، وَلَا يُرْشِدُونَ أَنْفُسَهُمْ ، وَلَا غَيْرَهُمْ إِلَى مَا أَوْجَبَاهُ عَلَى ذِي الْحَالِ . وَقَدْ يَذْكُرُ مَنْ يُسَمَّى الْفَقِيهُ فِيهِمْ مَا قِيلَ

مِنْ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً (9: 122) وَهُوَ زَعْمٌ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ كَافَّةٌ ، مِنْ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِير الثَّانِيَةِ . وَبِمِثْلِ هَذَا وَذَاكَ أَضَاعَ الْمُسْلِمُونَ مُلْكَهُمْ ، وَصَارَ أَكْثَرُهُمْ عَبِيدًا لِأَعْدَائِهِمْ ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى مَا يَجِبُ مِنْ هَذَا النَّفْرِ بِقَوْلِهِ: وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَيْ: وَجَاهِدُوا أَعْدَاءَكُمُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ مِنَ الْعُلُوِّ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، بِبَذْلِ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْحَقِّ ، وَإِقَامَةِ مِيزَانِ الْعَدْلِ . فَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجِهَادِ بِمَالِهِ وَبِنَفْسِهِ مَعًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِهِمَا ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مَا كَانَ فِي قُدْرَتِهِ مِنْهُمَا . كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ يُنْفِقُ كُلٌّ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْقِتَالِ ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ مِنَ الْمَالِ بَذَلَ مِنْهُ فِي تَجْهِيزِ غَيْرِهِ كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فِي تَجْهِيزِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ ، وَكَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ مِنْ أَغْنِيَاءِ الصَّحَابَةِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ـ وَهَكَذَا يَفْعَلُ أَهْلُ نَجْدٍ الْآنَ .

وَلَمَّا صَارَ بَيْتُ الْمَالِ غَنِيًّا بِكَثْرَةِ الْغَنَائِمِ صَارَ الْأَئِمَّةُ وَالسَّلَاطِينُ يُجَهِّزُونَ الْجَيْشَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَأَئِمَّةِ الْيَمَنِ يَدَّخِرُونَ الْمَالَ لِأَجْلِ الْقِتَالِ ، وَيُنْفِقُونَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ طُولَ السَّنَةِ ؛ لِتَكُونَ مُسْتَعِدَّةً لِلْقِتَالِ كُلَّمَا اسْتُنْفِرَتْ لَهُ . وَالدُّوَلُ الْمُنَظَّمَةُ تُقَرِّرُ فِي كُلِّ عَامٍ مَبْلَغًا مُعَيَّنًا مِنَ الْمَالِ فِي مِيزَانِيَّةِ الدَّوْلَةِ لِلنَّفَقَاتِ الْحَرْبِيَّةِ مِنْ بَرِّيَّةٍ وَبَحْرِيَّةٍ وَهَوَائِيَّةٍ . وَإِذَا وَقَعَتِ الْحَرْبُ يَزِيدُونَ فِي هَذِهِ الْمَبَالِغِ ، وَيُجَدِّدُونَ لَهَا كَثِيرًا مِنَ الضَّرَائِبِ ، بَلْ يَجْعَلُونَ جَمِيعَ أَمْوَالِ الدَّوْلَةِ وَالْأُمَّةِ وَمَصَالِحِهَا وَمَرَافِقِهَا تَحْتَ نُفُوذِ قُوَّادِ الْحَرْبِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِالنِّظَامِ لَا بِالِاسْتِبْدَادِ ، وَالْمُسْلِمُونَ أَوْلَى مِنْهُمْ بِكُلِّ مَا ذُكِرَ .

ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أَيْ: ذَلِكُمُ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ النَّفْرِ وَالْجِهَادِ الَّذِي هُوَ أَبْعَدُ مَرَامِي الْأُمَمِ حِفْظِ حَقِيقَتِهَا ، وَعُلُوِّ كَلِمَتْهَا ، وَتَقْرِيرِ سِيَاسَتِهَا - خَيْرٌ لَكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ ، أَيْ: خَيْرٌ فِي نَفْسِهِ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ مُقَابِلِهِ ، أَوْ خَيْرٌ مِنَ الْقُعُودِ وَالْبُخْلِ عَنْهُ ، أَمَّا الدُّنْيَا فَلَا حَيَاةَ لِلْأُمَمِ فِيهَا ، وَلَا عِزَّ وَلَا سِيَادَةَ إِلَّا بِالْقُوَّةِ الْحَرْبِيَّةِ ، وَالْقُعُودِ عَنِ الْقِتَالِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ يُغْرِي الْأَعْدَاءَ بِالْقَاعِدِينَ الْعَاجِزِينَ ، وَحُبُّ الرَّاحَةِ يَجْلِبُ التَّعَبَ ، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَلَا سَعَادَةَ فِيهَا إِلَّا لِمَنْ يَنْصُرُ الْحَقَّ ، وَيُقِيمُ الْعَدْلَ ، وَيَتَحَلَّى بِالْفَضَائِلِ ، وَيَتَخَلَّى عَنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت