نَزَلَ مِنْهَا قَبْلَ السَّفَرِ فَهَذَا السِّيَاقُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ لَا هَذِهِ الْآيَةُ وَحْدَهَا ، وَأَمَّا مَا بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فَظَاهِرٌ أَنَّ أَكْثَرَهُ نَزَلَ فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ ، وَمِنْهُ مَا نَزَلَ بَعْدَهُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ .
وَأَمَّا وَجْهُ اتِّصَالِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا وَبَّخَ اللهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى التَّثَاقُلِ عَنِ النَّفْرِ لَمَّا اسْتَنْفَرَهُمُ الرَّسُولُ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ، قَفَّى عَلَيْهِ بِبَيَانِ حُكْمِ النَّفِيرِ الْعَامِّ ، الَّذِي يُوجِبُ الْقِتَالَ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ بِمَا اسْتَطَاعَ ، وَلَا يُعْذَرُ فِيهِ أَحَدٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الْإِقْدَامِ ، وَتَرْكِ طَاعَةِ الْإِمَامِ ، فَقَالَ:انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا الْخِفَافُ بِالْكَسْرِ جَمْعُ خَفِيفٍ وَالثِّقَالُ جَمْعُ ثَقِيلٍ . وَالْخِفَّةُ وَالثِّقَلُ يَكُونَانِ بِالْأَجْسَامِ وَصِفَاتِهَا مِنْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ ، وَنَحَافَةٍ وَسِمْنٍ ، وَشَبَابٍ وَكِبَرٍ ،وَنَشَاطٍ وَكَسَلٍ ، وَيَكُونَانِ بِالْأَسْبَابِ وَالْأَحْوَالِ ، كَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فِي الْمَالِ وَالْعِيَالِ . وَوُجُودِ الظَّهْرِ (الرَّاحِلَةِ) وَعَدَمِهِ ، وَثُبُوتِ الشَّوَاغِلِ وَانْتِفَائِهَا . فَإِذَا أُعْلِنَ النَّفِيرُ الْعَامُّ ، وَجَبَ الِامْتِثَالُ إِلَّا فِي حَالِ الْعَجْزِ التَّامِّ ، وَهُوَ مَا بَيَّنَهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ 91 مِنْ هَذَا السِّيَاقِ: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الْآيَةَ ، وَعُذْرُ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مَشْرُوطٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَجِدِ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ كَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ وَسَتَأْتِي . وَمَا وَرَدَ عَنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ مِنْ تَفْسِيرِ الْخِفَافِ وَالثِّقَالِ بِبَعْضِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْكُلِّيَّاتِ فَهُوَ لِلتَّمْثِيلِ لَا لِلْحَصْرِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهِمَا: نَشَاطًا وَغَيْرَ نَشَاطٍ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: مُوسِرِينَ وَمُعْسِرِينَ ، وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ: خِفَافًا مِنَ السِّلَاحِ ، أَيْ: مُقِلِّينَ
مِنْهُ ، وَثِقَالًا بِهِ أَيْ: مُسْتَكْثِرِينَ مِنْهُ . وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: شُبَّانًا وَشُيُوخًا . وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: رُكْبَانًا وَمُشَاةً . وَأَبُو صَالِحٍ: فُقَرَاءَ وَأَغْنِيَاءَ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي مَعْنَاهُ: الثَّقِيلُ الَّذِي لَهُ الضَّيْعَةُ يَكْرَهُ أَنْ يَدَعَ ضَيْعَتَهُ . وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَشَاغِيلَ وَغَيْرَ مَشَاغِيلَ .
وَمِمَّا هُوَ نَصٌّ فِي إِرَادَةِ عُمُومِ الْأَحْوَالِ قَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - وَقَدْ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا إِلَّا غَزْوَةً وَاحِدَةً: قَالَ اللهُ تَعَالَى: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا فَلَا أَجِدُنِي إِلَّا خَفِيفًا أَوْ ثَقِيلًا . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحَرَّانِيِّ قَالَ: وَافَيْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَارِسَ رَسُولِ اللهِ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ جَالِسًا عَلَى تَابُوتٍ مِنْ تَوَابِيتِ الصَّيَارِفَةِ بِحِمْصَ - وَقَدْ فَضَلَ عَنْهَا مِنْ عِظَمِهِ - يُرِيدُ الْغَزْوَ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْكَ ، فَقَالَ: أَبَتْ عَلَيْنَا سُورَةُ الْبُعُوثِ - يَعْنِي بَرَاءَةٌ - انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَرُوِيَ عَنْ حَيَّانَ بْنِ زَيْدٍ الْشَرَعْبِيِّ قَالَ: نَفَرْنَا مَعَ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو - وَكَانَ وَالِيًا عَلَى حِمْصَ - قِبَلَ الْأَفْسُوسِ إِلَى الْجَرَاجِمَةِ فَرَأَيْتُ شَيْخًا كَبِيرًا هَرِمًا قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ . مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فِيمَنْ أَغَارَ ، فَقُلْتُ: يَا عَمُّ قَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْكَ ، قَالَ: فَرَفَعَ حَاجِبَيْهِ عَنْ عَيْنَيْهِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي اسْتَنْفَرَنَا اللهُ خِفَافًا وَثِقَالًا ، أَلَا إِنَّهُ مَنْ يُحِبُّهُ اللهُ يَبْتَلِيهِ ، ثُمَّ يُعِيدُهُ فَيُبْقِيهِ ، وَإِنَّمَا يَبْتَلِي اللهُ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ صَبَرَ وَشَكَرَ وَذَكَرَ وَلَمْ يَعْبُدْ إِلَّا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ .