فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 608

فهؤلاء يغفر اللّه لهم ما كان منهم ، ويقبلهم في عباده المؤمنين ، المهاجرين ، المجاهدين ..وفى العطف « بثم » فوق أنه عزل للذين أعطوا كلمة الكفر بألسنتهم وقلوبهم مطمئنة بالإيمان ، عن أولئك الذين شرحوا بالكفر صدرا ـ كما أشرنا إلى ذلك من قبل ـ فيه إشارة إلى أن مغفرة اللّه لم تجئهم إلا بعد تراخ ، وإبطاء ، حتى لقد كادت لا تلحقهم ، وفى هذا ما يلقى ظلالا معتمة على التقية ، وأنه لا يلجأ إليها المؤمن إلا عند الضرورة القصوى.

ـ وفى قوله تعالى: « إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » إشارة إلى المغفرة التي عاد اللّه سبحانه وتعالى بها على أولئك المفتونين ، بعد أن هاجروا ، وجاهدوا وصبروا .. فقد رحمهم اللّه ، وغفر لهم ، وأدخلهم في عباده المؤمنين ..والضمير في قوله تعالى: « مِنْ بَعْدِها » يعود إلى تلك الحال التي تلبّس بها المفتونون حين فتنوا في دينهم ، وأعطوا كلمة الكفر بأفواههم ..وفى عودة الضمير إلى تلك الحالة دون ذكرها ، إشارة إلى أنها شىء بغيض لا يذكر في هذا المقام ، الذي لبس فيه أولئك المفتونون ثوب الإيمان ظاهرا وباطنا ، والذي شملتهم فيه رحمة اللّه ومغفرته .. فكان من تمام تلك النعمة التي أنعم اللّه بها عليهم ألا يذكّروا في هذا المقام بما يسوءهم ، وألا تمسّ مشاعرهم ذكريات هذا الماضي البغيض ، الذي انسلخوا منه وفارقوه .. ثم كان من الحقّ أن يدفن هذا المنكر ، وألا يرى المؤمنون له وجها أبدا .." [1] "

لقد لقي المسلمون الأوائل في مكة من الأذى ما لا يطيقه إلا من نوى الشهادة ، وآثر الحياة الأخرى ، ورضي بعذاب الدنيا عن العودة إلى ملة الكفر والضلال.

والنص هنا يغلظ جريمة من كفر باللّه من بعد إيمانه. لأنه عرف الإيمان وذاقه ، ثم ارتد عنه إيثارا للحياة الدنيا على الآخرة. فرماهم بغضب من اللّه ، وبالعذاب العظيم ، والحرمان من الهداية ووصمهم بالغفلة وانطماس القلوب والسمع والأبصار وحكم عليهم بأنهم في الآخرة هم الخاسرون .. ذلك أن العقيدة لا يجوز أن تكون موضع مساومة ، وحساب للربح والخسارة. ومتى آمن القلب باللّه فلا يجوز أن يدخل عليه مؤثر من مؤثرات هذه الأرض فللأرض حساب ، وللعقيدة حساب ولا يتداخلان. وليست العقيدة هزلا ، وليست صفقة قابلة للأخذ والرد فهي أعلى من هذا وأعز. ومن ثم كل هذا التغليظ في العقوبة ، والتفظيع للجريمة.

واستثنى من ذلك الحكم الدامغ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. أي من أظهر الكفر بلسانه نجاة لروحه من الهلاك ، وقلبه ثابت على الإيمان مرتكن إليه مطمئن به. وقد روي أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر.

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (7 / 381)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت