وتضاعفت أعداد قوى الشرّ المتصدية لهم!! هكذا ينبغى أن يعرف المسلمون ما يجب أن يكون عليهم أمرهم ، وهم مقدمون على لقاء العدو ، الذي جاءهم بكل غيظه وحنقه ، ليثأر للهزيمة التي نقيها في معركة بدر!!
وها هم أولاء المسلمون يتأهبون للقاء المشركين ، الذين جمعوا جموعهم ، يريدون أن يقتحموا بها المدينة ، ويدمروها على من فيها من المهاجرين والأنصار! ويستشير النبي أصحابه .. ويكثر القول ، ويختلف الرأى ، ثم يعلو الصوت القائل بلقاء العدو خارج المدينة ، ويرى النبي الكريم أن يستجيب للأغلبية ، وإن كان يرى خلاف ذلك ، فيلبس لباس الحرب ، ويضع لامته على رأسه ، ويؤذن أصحابه بأنه خارج معهم إلى لقاء المشركين ..
وهنا يستشعر المسلمون الندم ، ويرون أنّهم على أمر لم يكن يريده النبىّ صلى الله عليه وسلم..
فأقبلوا عليه يسألونه أن يكون عند رأيه الذي رآه .. فأبى عليهم ذلك ، وقال: «ما ينبغى لنبىّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل » .
.وذلك أنه أقام أمره على عزيمة ، وبهذه العزيمة لبس لبوس الحرب .. وما كان له أن يرجع بعد ما عزم .. فإن هذا الرجوع يعنى انحلال العزيمة ، إذ ليس ثمّة ما يمنع بعد هذا أن يعزم عزما آخر ، ويعود فليبس عدّة الحرب .. وهكذا تستولى عليه حال من التردد بين الإقدام والإحجام .. وليس بعد هذا اجتماع لعزيمة ، أو استقامة على رأى .. وفى هذا ما فيه من ضياع وخذلان ، لأى أمر ، وفى كل عمل ، يدخل عليه التردد من أي باب! ولهذا كان أمر اللّه لنبيّه الكريم: « وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » (159: آل عمران) قاطعا الطريق إلى التردد بعد العزيمة ، التي تجىء عن مناصحة ومشاورة! نقول: خرج النبىّ بأصحابه للقاء العدوّ ، ومع المسلمين هذا الشعور الذي وقع في نفوسهم من حملهم النبىّ على هذا الخروج ـ الشعور بالندم والحسرة ـ الأمر الذي لو صحبهم إلى المعركة لأفسد عليهم موقفهم من عدوهم ، ولاغتال الكثير من عزمهم وقوّتهم! وهنا يتلقّى الرسول الكريم من ربّه ، ما يذهب بمرارة هذا الأسى الذي وجده ، ووجده معه أصحابه ، في مجلس الشورى ، وما انتهى إليه.
فجاء قوله تعالى: « وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ » ـ جاء قوله تعالى في هذه الآيات. ليذكّر النبي والمسلمين بما كان للّه عليهم من فضل ، في هذا النّصر العظيم ، الذي امتلأت به أيديهم يوم بدر .. وفى هذه الصورة التي ترتفع للمسلمين من معركة بدر ، تهبّ عليهم ريح الطمأنينة ، وتدخل على قلوبهم السكينة والأمن ، فيلقون عدوّهم بعزم جميع ، وإرادة مصممة على النصر ، واثقة من عون اللّه وتأييده.