وفى تلك الحال التي تمتد فيها أبصار المسلمين إلى معركة بدر ، وتتعلق عيونهم بالمشاهد الواردة عليهم من ذكرياتها ـ تمتلىء أسماعهم بما يتلو عليهم الرسول الكريم ، مما يتلقى من آيات ربه: « بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ » . . ويستشعر المسلمون من كلمات اللّه هذه أنهم من اللّه على حال غير الحال التي كانوا عليها يوم بدر .. إذ قد جاء وعد اللّه بإمدادهم بالملائكة يوم بدر غير مشروط بشرط ، بل هو وعد مطلق ، لا بد من تحقيقه .. وقد تحقق.
أمّا هذا الوعد الكريم الذي يتلقونه من اللّه في هذا اليوم ـ يوم أحد ـ فهو مشروط بشرطين: أن يصبروا ، وأن يتقوا .. وتحقيق هذين الشرطين ، شرط لتحقيق ما وعدوا به من النصر.
إذن فهم مطالبون بشىء جديد ، من الصبر والتقوى ، غير ما كانوا عليه يوم بدر ، وغير ما هم عليه اليوم ، من صبر وتقوى ..
وإنهم لو أعطوا المطلوب من الصبر والتقوى ، لوجدوا في أنفسهم من روح اللّه ، قوة تعدل خمسة آلاف من تلك القوى التي ساندتهم ، وقاتلت معهم يوم بدر!
ثم يستمع المسلمون بعد هذا إلى قوله تعالى: « وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ » فيستشعرون أن تلك الأمداد العلويّة ، لا تجىء إليهم من بعيد ، وإنما هى شرارات من الإيمان والصبر ، تنطلق من داخل أنفسهم ، فتشتعل بنور اللّه ، فإذا هى قوى يبلغ بها الإنسان في ميدان القتال ، ما لا يبلغ خمسة من الرجال ، لا يملكون تلك القوى في هذا الميدان! وهنا يلتفت المسلمون إلى أنفسهم التفاتا قويّا ، يفتشون عن مواطن القوة والضعف في إيمانهم وصبرهم ، حتى يكونوا على الشرط الذي اشترطه اللّه عليهم ، ليمدّهم بالقوة ، وليمكّن لهم من عدوهم.
وتجىء آيات القرآن الكريم ، لتلتقى مع هذا الشعور ، الذي يفتش فيه المسلمون عن أنفسهم ، ولتكون في مجال البصر وهم يرتادون مواقع الخير الذي يدنيهم من التقوى ، ويمكن لهم من الصبر .. وإذا في الآيات التي يتلوها الرسول عليهم بعد أن تلقاها من ربّه لساعته ـ إذا في هذه الآيات الدواء والشفاء ، إذ يقول اللّه تعالى: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ » فعلى ضوء هذه الآيات الكريمة ، يعرض