فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 608

المسلم نفسه ، ويطّلع على ما تكون قد انطوت عليه مما نهى اللّه ، مما لم يكن يراه ، وهو في زحمة الأحداث المتلاحقة ، التي كانت تمرّ بالمسلمين في تلك الفترة الحرجة من حياة الإسلام ـ فيعمل على تنقيتها ، والخلاص منها .. وقد أشرنا من قبل إلى ما في هذه الآيات الكريمة من معانى الإحسان ، وما تحمل من دواء عتيد لسقام النفوس ، ومرضى القلوب! ثم يجىء قوله تعالى بعد ذلك:

« قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ » فيذكر المسلمون من الآية الكريمة أن للّه سبحانه وتعالى سننا في خلقه ، لن تتخلف أبدا ، وأن من هذه السنن وتلك الأحكام والقوانين التي أخذ اللّه بها النّاس ، ما تضمّنه قوله سبحانه « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى » (39 ـ 41: النجم) ..

وما جاء به قوله سبحانه: « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » (7 ـ 8 الزلزلة) .

وبهذا يرى المسلمون أنهم مطالبون بأن يعملوا وأن يحسنوا ما وسعهم العمل ، وما أمكنهم الإحسان ، وأن يلقوا عدوّهم بالصّبر وتوطين النفس على الجهاد والتضحية والبذل في سبيل اللّه ، وأن يشروا أنفسهم ابتغاء مرضاة اللّه .. وهنا يأذن اللّه لهم بالنصر ، ويريهم في عدوّهم ما يحبّون ، وإلّا فقد رضوا لأنفسهم بالهزيمة ، التي اكتسبوها بالقعود عن البذل والتضحية.

وينظر المسلمون في سنن اللّه التي خلت في عباده ، وما لهذه السنن من آثار في تقدير مصائر الأمم والأفراد على السواء ، وإذا الّذين كذّبوا بآيات اللّه ، وآذوا رسل اللّه ، قد أخذهم اللّه أخذ عزيز مقتدر .. قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وقوم إبراهيم ، وقوم لوط ، وأصحاب مدين .. هؤلاء جميعا هم ممن كذبوا الرّسل ، فأخذهم اللّه بذنوبهم ، وأوردهم موارد الهلاك في الدنيا ، ولهم في الآخرة عذاب النار .. وفى هذا بقول اللّه تعالى: « فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » (40: العنكبوت) .. فهذا هو مصير الذين كفروا بآيات اللّه وكذّبوا رسله ، وإلى مثل هذا المصير يصير أولئك الذين كذّبوا رسول اللّه وآذوه ، ووقفوا منه ومن دعوته هذا الموقف العنادىّ المغرق في العناد والضلال ..

وفى هذا تطمين للمسلمين ، وتثبيت لأقدامهم ، وأنهم على طريق النصر ، إذا هم صبروا واتقوا ، وأن أعداءهم إلى البوار والهلاك إن أصرّوا على ما هم عليه من شرك وضلال .. واللّه سبحانه وتعالى يقول: « إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ » (51: غافر) .. ويقول سبحانه: « كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ » (31: المجادلة) ثم تمتلىء أسماع المسلمين وقلوبهم بعد هذا بقوله تعالى: « هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ » . . فيرجعون إلى هذا البيان الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت