استقبلتهم به تلك الآيات ، وهم على مشارف المعركة والالتحام بعدوّهم ، ويرتلون هذا البيان مرة بعد مرة ، فيخلص إليهم منه في كل مرة ما يزيد إيمانهم إيمانا ويقينهم يقينا ، وإذا هم يمضون إلى المعركة في ثقة وطمأنينة ، وفى إصرار على كسب المعركة وبلوغ النصر! وتدور المعركة ، وتهبّ ريح النصر على المسلمين ، وفى لحظة خاطفة يرون أنهم كسبوا المعركة ، فألقى كثير منهم السلاح ، وأقبل على الغنائم ينتزعها من بين يدى العدو قبل أن يفرّ بها! ولكن سرعان ما تتبدل الأمور ، وتسكن ريح النصر ، ويقع المسلمون ليد أعدائهم ، فيقتلون منهم نحو سبعين قتيلا .. وينكشف الرسول ، إذ تتناثر الكتيبة التي حوله ، بين قتيل ، وجريح ، ومهزوم .. ويثبت الرسول الكريم مع فئة قليلة من أصحابه ، ويخلص إليه من سهام العدوّ أذى كثير ، حتى لتشجّ رأسه ، وتنكسر ثنيّته ، وينادى منادى المشركين: أن محمدا قتل!! وهنا يستبدّ الهول والفزع بالمسلمين ، وتكاد تنتهى المعركة بالهزيمة القاصمة ، لو لا أن نادى منادى الرسول: أن رسول اللّه هنا في المعركة ، يقاتل المشركين .. فتثوب إلى المسلمين ألبابهم الشاردة ، ويجتمعون إلى رسول اللّه ، ويصمدون معه في ردّ عدوان المعتدين ..
وتكتفى قريش بما نالت ، وتقف بالمعركة عند هذا الحدّ ، خوفا من أن تدور الدائرة عليها ، لو أنها مضت بالحرب إلى آخر الشوط! ويعود النبىّ وأصحابه من المعركة ، وقد أصيبوا في أنفسهم ، وفى أصحابهم ..
وفى القلوب حزن وأسى ، وفى النفوس ضيق واختناق ، ويهبّ على المدينة إعصار محموم ، يلفّ الناس في جوّ كئيب ، ملفف بالسواد ، لا يرى فيه الرائي موقع قدميه! وأين بدر ويومها ؟ وأين الوجه الذي استقبلت به المدينة أصحاب بدر ، من هذا الوجه الذي تستقبل به أصحاب أحد ؟
وتدور في الرءوس ، وعلى الشفاه ، خواطر ، وهمسات ، وغمغمات ، تكاد لكثرتها أن تكون هديرا كهدير البحر الهائج ، أو عواء كعواء الريح العاصف! وتعلو أصوات المنافقين والكافرين ، فتقرع أسماع المسلمين ، بالتجديف على الإسلام ، والتكذيب لرسول اللّه ، والسخرية بالملائكة التي قيل إنها قاتلت مع المسلمين يوم بدر! فأين رب محمد ؟ وأين الملائكة التي يقول إن ربّه يمدّه بها ؟ لقد قتل أصحابه ، وكاد أن يقتل هو .. فما لربّه لا يدفع عنه وعن أصحابه ما أصابهم ؟ وما للملائكة لا تخفّ لنجدته ؟ أم ترى هل تفرّ الملائكة كما يفرّ الناس ؟ وهل تهزم كما يهزم المحاربون ؟ وكم من الملائكة من قتيل وجريح على أرض المعركة ؟ .. إن ذلك ليس إلّا ضلالا في ضلال ، وغرورا في غرور .. لقد « غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ » (49: الأنفال) فأوردهم موارد الهلاك وسوء المصير!! هكذا كان المشركون والمنافقون يرددون تلك المقولات المنكرة ، ويلقون بها ـ في شماتة وسخرية ـ إلى أسماع المسلمين ، فتزيد من آلام جراحهم ،