فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 608

وتثقل من هموم أنفسهم! والمسلمون في صمت ووحوم ، يمسكون أنفسهم على هموم ، ويطوون صدورهم على حسرات وغمرات .. لا يدرون ما يقولون ، ولا ما يفعلون!!

تلك هى بعض المشاهد التي يمكن أن يرصدها الراصد لهذا اليوم ، فيما كان يجرى في المدينة ، وما يدور في محيط الجماعات التي تأوى إليها ، من مسلمين ، ومنافقين ، ومشركين .. إنها مشاهد أرضية ، تسبح صورها وخيالها في غبار المعركة ودخانها ، الذي انعقد فوق المدينة ، وخيّم في سمائها لأيام وأيام!

ويتطلع الرسول والمؤمنون إلى السّماء ، يرقبون ماذا يجىء من جهتها عن هذا الحدث العظيم .. وماذا كان حسابهم عند اللّه فيما كان منهم ، ولما أخذوا أو تركوا في هذا اليوم ؟

وتقول السماء كلماتها ، وتتنزل آيات اللّه بالحق ، يقشع ظلام الباطل ، ويفضح ضلال المبطلين ، وتتلى كلمات اللّه فتلتئم بها جراحات المؤمنين ، ، وتمتلىء بها قلوبهم سكينة ورضى ، وإيمانا: !

وفى هذه الآيات المنزّلة ، عزاء ورحمة وشفاء . [1]

لقد أصاب المسلمين القرح في هذه الغزوة ، وأصابهم القتل والهزيمة. أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا في أبدانهم بأذى كثير. قتل منهم سبعون صحابيا ، وكسرت رباعية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشج وجهه ، وأرهقه المشركون ، وأثخن أصحابه بالجراح .. وكان من نتائج هذا كله هزة في النفوس ، وصدمة لعلها لم تكن متوقعة بعد النصر العجيب في بدر ، حتى لقال المسلمون حين أصابهم ما أصابهم: «أَنَّى هذا؟» وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمون؟!

والقرآن الكريم يرد المسلمين هنا إلى سنن اللّه في الأرض. يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور. فهم ليسوا بدعا في الحياة فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف ، والأمور لا تمضي جزافا ، إنما هي تتبع هذه النواميس ، فإذا هم درسوها ، وأدركوا مغازيها ، تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث ، وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع ، واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث ، وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام. واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق. ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين ، لينالوا النصر والتمكين بدون الأخذ بأسباب النصر ، وفي أولها طاعة اللّه وطاعة الرسول.

والسنن التي يشير إليها السياق هنا ، ويوجه أبصارهم إليها هي:

عاقبة المكذبين على مدار التاريخ. ومداولة الأيام بين الناس. والابتلاء لتمحيص السرائر ، وامتحان قوة الصبر على الشدائد ، واستحقاق النصر للصابرين والمحق للمكذبين.

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 589)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت