وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ .. فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » (111: التوبة) ..
وقوله تعالى: «يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » .. هو جواب لشرط مقدّر دلّ عليه ما في الآية السابقة من الدعوة إلى الإيمان باللّه ورسوله ، والجهاد في سبيله .. أي إن استجبتم لهذه الدعوة التي دعيتم إليها ـ أيها المؤمنون ـ يغفر اللّه لكم ذنوبكم. ويسترها عليكم ، فلا ترونها بعد أن محاها اللّه ، وطهّركم منها بمغفرته ، ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ، وينزلكم فيها مساكن طيبة ، تطيب لكم الحياة فيها ، فلا تتحولون عنها أبدا .. وذلك هو الفوز العظيم ، الذي لا يعدله فوز ، فيما عرفتم في الحياة الدنيا ..
قوله تعالى: « وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ » أي ولكم مع هذا الفوز العظيم بجنات النعيم في الآخرة ـ رغيبة أخرى تحبونها ، وتتطلعون إليها ، تلك هى ما ستلقون من نصر من اللّه ، ومن فتح قريب ، بما يفتح اللّه لكم في هذه الدنيا من فتوح ، وما يمكّن لكم من نصر على أعدائكم .. وقد حقق اللّه للمؤمنين ما وعدهم به من نصر وفتح ، فقد انتصروا على أعدائهم من المشركين وللكافرين ، وفتحوا معاقل الشرك ، ودانت لهم مواطن المشركين ، فيما وقع لهؤلاء المؤمنين من فتح خيبر ، ومن إجلاء اليهود من المدينة ، ومن فتح مكة .. ثم ما تلا ذلك من فتوح لمملكتى الفرس والروم ..
وقوله تعالى: « وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ » . . هو أمر سماوى من اللّه سبحانه وتعالى للنبى الكريم أن يبشر المؤمنين بهذا الوعد الذي وعدهم اللّه إياه ، وأن يكشف لهم عن مواقع هذا النصر والفتح القريب .. وقد بشّر النبي الكريم أصحابه بما سيلقاهم على طريق الإسلام من نصر وفتح .. وفى هذا ما يدخل الطمأنينة والرضاء على قلوب المؤمنين ، ويمدّهم بأمداد السكينة والصبر على ما كانوا يعانون من شدة وضيق ، وما كانوا يلقون من كيد وبلاء .." [1] "
وصيغة التعبير بما فيها من فصل ووصل ، واستفهام وجواب ، وتقديم وتأخير ، صيغة ظاهر فيها القصد إلى إقرار هذا الهتاف في القلوب بكل وسائل التأثير التعبيرية.
يبدأ بالنداء باسم الإيمان: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» .. يليه الاستفهام الموحي. فاللّه - سبحانه - هو الذي يسألهم ويشوقهم إلى الجواب: «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ؟» ..
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (14 / 936)