ومن ذا الذي لا يشتاق لأن يدله اللّه على هذه التجارة؟ وهنا تنتهي هذه الآية ، وتنفصل الجملتان للتشويق بانتظار الجواب المرموق. ثم يجيء الجواب وقد ترقبته القلوب والأسماع: «تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» .. وهم مؤمنون باللّه ورسوله. فتشرق قلوبهم عند سماع شطر الجواب هذا المتحقق فيهم! «وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ» .. وهو الموضوع الرئيسي الذي تعالجه السورة ، يجيء في هذا الأسلوب ، ويكرر هذا التكرار ، ويساق في هذا السياق. فقد علم اللّه أن النفس البشرية في حاجة إلى هذا التكرار ، وهذا التنويع ، وهذه الموحيات ، لتنهض بهذا التكليف الشاق ، الضروري الذي لا مفر منه لإقامة هذا المنهج وحراسته في الأرض ...
ثم يعقب على عرض هذه التجارة التي دلهم عليها بالتحسين والتزيين: «ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ..
فعلم الحقيقة يقود من يعلم إلى ذلك الخير الأكيد .. ثم يفصل هذا الخير في آية تالية مستقلة ، لأن التفصيل بعد الإجمال يشوق القلب إليه ، ويقره في الحس ويمكن له: «يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» .. وهذه وحدها تكفي.
فمن ذا الذي يضمن أن يغفر له ذنبه ثم يتطلع بعدها إلى شي ء؟ أو يدخر في سبيلها شيئا؟ ولكن فضل اللّه ليست له حدود: «وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ» .. وإنها لأربح تجارة أن يجاهد المؤمن في حياته القصيرة - حتى حين يفقد هذه الحياة كلها - ثم يعوض عنها تلك الجنات وهذه المساكن في نعيم مقيم .. وحقا .. «ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» ..
وكأنما ينتهي هنا حساب التجارة الرابحة. وإنه لربح ضخم هائل أن يعطي المؤمن الدنيا ويأخذ الآخرة.
فالذي يتجر بالدرهم فيكسب عشرة يغبطه كل من في السوق. فكيف بمن يتجر في أيام قليلة معدودة في هذه الأرض ، ومتاع محدود في هذه الحياة الدنيا ، فيكسب به خلودا لا يعلم له نهاية إلا ما شاء اللّه ، ومتاعا غير مقطوع ولا ممنوع؟
لقد تمت المبايعة على هذه الصفقة بين رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وعبد اللّه بن رواحة - رضي اللّه عنه - ليلة العقبة. قال لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: «اشترط لربك ولنفسك ما شئت» . فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم» .. قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: «الجنة» قالوا: ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل! ولكن فضل اللّه عظيم. وهو يعلم من تلك النفوس أنها تتعلق بشيء قريب في هذه الأرض ، يناسب تركيبها البشري المحدود. وهو يستجيب لها فيبشرها بما قدره في علمه المكنون من إظهار هذا الدين في الأرض ، وتحقيق منهجه وهيمنته على الحياة في ذلك الجيل: «وأخرى تحبونها: نصر من اللّه وفتح قريب. وبشر المؤمنين» ..