يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَلا يُسْأل عَمَّا يَفْعَلُ ، وَهُوَ وَاسِعُ العِلْمِ وَالفُضْلِ ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ، وَهُوَ عَليمٌ بِمنْ يَسْتَحِقُّ المُلْكَ مِمَّنْ لاَ يَسْتَحِقُّهُ .
كَانَ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّوْرَاةُ وَتَابُوتُ العَهْدِ الذِي كَانَ عِنْدَهُمْ مُنْذُ مَطْلِعِ تَارِيخِهِمْ ، وَكَانَ يَرِثُهُ خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ ، وَكَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِهِ فِي حُرُوبِهِمْ . وَلَمَّا ضَلُّوا وَبَغَوْا سَلَّط اللهُ عَلَيْهِمْ مَنْ سَلَبَهُمْ إيَّاهُ ( وَهُمُ العَمَالِيقُ الفِلَسْطِينِيُّونَ ) ، وَقَدْ حَارَبُوا اليَهُودَ وَانْتَصَرُوا عَلَيهِمْ ، فَأَخَذُوا التَّابُوتِ وَنَكَّلُوا بِهِمْ تَنْكِيلا شَدِيدًا ، فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ عَلامَةِ رِضَا اللهِ عَلَى مُلْكِ طَالُوتَ هُوَ أنْ يَرُدَّ عَليكُمُ التَّابُوتَ فَيُورِثكُم رَدُّهُ عَلَيكُم السَّكِينَة والطُّمَأنِينَةَ . وَفِي التَّابُوتَ التَّورَاةُ وَبَقِيَّةُ مِمَّا تَرَكَ مُوسَى وَهَارُونُ وَمِنْهَا بَقَايَا الألْوَاحِ . فَجَاءَتِ المَلاَئِكَةُ تَحْمِلُ التَّابُوتَ وَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَي طَالُوتَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ . وَفِي ذَلِكَ آيةٌ لِبني إسْرَائِيلَ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّةِ نَبِيِّهِمْ ، وَعَلَى صِدْقِهِ فِيمَا أمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ مِنْ وُجُوبِ إطَاعَةِ طَالُوتَ ، هَذا إنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليومِ الآخَرِ .
وَلَمَّا خَرَجَ طَالُوتُ بِجَيْشِهِ مِنَ البَلَدِ مُتَّجِهًا إلى حَرْبِ الأَعْدَاءِ ، وَكَانَ الوَقْتُ قَائِضًا ، سَألَ بَنُو إِسْرائِيلَ طَالُوتَ المَاءَ ، فَقَالَ لَهُمْ إنَّ اللهَ مُخْتَبِرُكُمْ بِنَهْرٍ سَتَمُرُّونَ بِهِ ( وَهُوَ نَهْرُ الأُرْدُنِّ عَلَى قَوْلٍ ) فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلا يُصَاحِبْنِي ، وَمَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ فَلْيُصَاحِبْنِي ، وَلَكِنْ لاَ بَأَسَ فِي أنْ يَغْتَرِفَ الوَاحِدُ غُرْفَةً بَيَدَيهِ يَبُلُّ بِهَا رِيقَهُ ، فَتَمَرَّدَ أكْثَرُهُمْ ، وَشَربُوا مِنَ النَّهْرِ ، وَبَقِيَ طَالُوتُ فِي فِئةٍ قَليلَةٍ مِنْ جُنُودِهِ ، فَاجْتَازَ بِهِم النَّهْرَ ، فَلَمَا نَظَرَ أصْحَابُ طَالُوتَ إلى قِلَّةِ عَدَدِهِمْ ، وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ ، قَالُوا: إِنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ مُحَارَبَةَ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ ، فَشَجَّعَهُمْ عُلَمَاؤهُمْ ، وَقَالُوا لَهُمْ: إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ، وَإنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَلَيْسَ بِكْثَرَةِ العَدَدِ وَالعُدَّةِ ، وَكثيرًا مَا غَلَبَتْ قُوَّةٌ صَغِيرةٌ مُؤْمِنَةٌ مُخْلِصَةٌ فِي قِتَالِهَا ، فِئَةً كَثِيرَة العَدَدِ بِإذْنِ اللهِ ، وَاللهُ يُؤَيِّدُ الصَّابِرِينَ وَيَنْصُرُهُمْ .
وَلَمّا تَقَدَّمَ المُؤْمِنُون المُتَوَكِّلُونَ عَلَى اللهِ مَعَ طَالُوتَ لِقِتَالِ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ ، دَعَوا اللهَ وَرَجَوْهُ أنْ يُنْزِلَ عَلَيهِم الصَّبْرَ عَلَى الشِّدَّةِ ، وَأنْ يُثَبِّتَ أقْدَامَهُم عِنْدَ لِقَاءِ أَعْدَائِهِمْ ، وَأنْ يُجَنِّبَهُمُ العَجْزَ وَالفِرَارَ ، وَأنْ يَمُنَّ عَلَيهِمْ بِالنَّصْرِ عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ .
فَهَزَمَ المُؤْمِنُونَ الذِينَ كَانُوا مَعَ طَالُوتَ أعْدَاءَهُمُ الكَافِرِينَ بِإذْنِ اللهِ ، وَقَتَلَ دَاوُدُ ( مِنْ جَيْشِ طَالُوتَ ) جَالُوتَ مَلِكَ الكُفَّارِ ، وَمَنَّ اللهُ عَلَى دَاوُدَ بِأنْ آتَاهُ المُلْكَ الذِي كَانَ بِيَدِ طَالُوتَ ، وَالنُّبُوَّةَ ( الحِكْمَةَ ) ، وَعَلَّمَهُ اللهُ مِنَ العِلْمِ الذِي اخْتَصَّهُ بِهِ ، وَلُوْلا أنَّ اللهَ يَدْفَعُ بَأسَ أهْلِ البَغْيِ وَالجَوْرِ وَالآثَامِ ، بِأهْلِ الصَّلاَحِ وَالخَيْرِ ، لِغَلَبَ أَهْلَ الفَسَادِ ، وَبَغَوْا عَلَى الصَّالِحينَ ، وَصَارَ لَهُمْ سُلْطَانٌ فَفَسَدَتِ الأرْضُ ، فَكَانَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أنْ أذِنَ لِلْمُصْلِحِينَ بِقِتَالِ البُغَاةِ المُفْسِدِينَ . وَاللهُ يَمُنُّ عَلَى عِبَادِهِ وَيَرْحَمُهُمْ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ ، وَلَهُ الحِكْمَةُ وَالحُجَّةُ عَلَى خَلْقِهِ فِي جَميعِ أقْوَالِهِ وَأفْعَالِهِ