وَهَذِهِ القَصَصُ التِي قَصَّهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّما قَصَّها بِالحَقِّ ( أيْ بِالوَاقِعِ الذِي كَانَ الأمرُ عَلَيهِ ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا بَيْنَ يَدَي أهْلِ الكِتَابِ مِنَ الحَقِّ ) لِتَكًونَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُسْوةٌ يَتأسَّى بِها ، وَلِتَكُونَ دَليلًا عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ ، وَلِيَعْلَمَ أنَّ الله سَيَنْصُرُهُ كَمَا نَصَرَ مَنْ جَاءَ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ ، وَلِيعَلْمَ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ الذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللهُ لِحَمْلِ رِسَالَتِهِ .
وقال الخطيب:"مثل آخر من بنى إسرائيل تعرضه الآية الكريمة لأنظار المسلمين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلّا أن يقولوا ربنا اللّه .. وفى هذا المثل يرى المسلمون صورة كريهة للمهانة والذلة تركب القوم ، فإذا هم جبناء أذلّاء ، لا يدفعون عن حرماتهم ، ولا يردّون يد العدوّ المتسلط عليهم! إن هؤلاء الملأ من بنى إسرائيل ـ وهم سادة القوم وأشرافهم ـ هم أبناء أولئك الذين أماتهم اللّه ثم أحياهم ، بأن أدخلهم الأرض المقدسة ، وجعل لهم مقاما فيها ، فلما ركبهم البغي والعدوان سلط اللّه عليهم من بدّد شملهم ، وخرب ديارهم وأزال ملكهم ، ونبذهم بالعراء في تيه أشبه بالتيه الذي عاش فيه سلفهم .. وإذ دبّ في القوم دبيب الحياة ، وتحركت فيهم أثارة من نخوة ورجولة قالوا لنبيهم: اختر لنا ملكا نجتمع إليه ، ونقاتل تحت رايته ، لنستعيد ملكنا ، ونجتمع إلى ديارنا! ونبيهم يعلم من أمرهم ما لا يعلمون ، ويرى من أنفسهم ما لا يرون .. إنهم أكثر الناس أقوالا وأقلّهم أفعالا .. يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم! « قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » ."
فيلقاهم النبىّ بما يتوقع أن يكون منهم .. « قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا ؟ » .
وتأخذهم الحميّة ، وتغلب عليهم شهوة القول .. فيقولون: « وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا ؟ » ..إنهم يجدون أكثر من دافع يدفعهم إلى القتال .. لقد أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، وشرّدوا هم وأبناؤهم .. فهل يصبر على هذا الضيم أحرار الرجال ؟
ولكن أين هم الرجال ؟
« فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ » .لقد فضحوا أنفسهم حين دخلوا في هذه التجربة ، وكانوا من قبل أن يطلبوا الدخول فيها ، في ستر من أمرهم ، ولكن أبوا إلا أن يركبوا مراكب الرجال ، فزلت أقدامهم ، وعفرت وجوههم في تراب الخزي والمهانة .. إلا قليلا ممن أراد اللّه له السلامة والأمن ، فثبت قدمه ، وربط على قلبه.
لقد اختار لهم اللّه ملكا يقاتلون معه ، وذلك إجابة لمقترحهم الذين اقترحوه .. فجعلوا يفتشون في هذا الملك المختار من قبل اللّه ، ويفندون الأسس التي قام عليها اختياره ، وفى ذلك ما فيه من جرأة على اللّه ، وعدوان على ما يقضى به ويحكم فيه ..