فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 608

وليتهم إذ نظروا ، وقعت أنظارهم على ما في الإنسان من فضائل نفسية وروحية ، هى التي يكون بها التفاضل والتمايز بين إنسان وإنسان .. ولكنهم لم ينظروا إلا إلى ما أشربته قلوبهم من حبّ المال ، الذي هو ميزان المفاضلة والفضل عندهم .. فحين رأوا أن الملك المختار لم يكن أكثرهم مالا ، وأوسعهم ثراء ، أنكروا أن يكون ملكا عليهم ، وقالوا: « أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ ؟ » .وتلقّوا الإجابة من نبيهم مسكتة مفحمة: « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ » ! فهل لهم أن يحتكموا على اللّه ؟ لقد اصطفاه اللّه عليهم .. « وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ » ثم إن هذا الذي اصطفاه عليهم قد زاده اللّه بسطة في العلم والجسم ، فإذا كان فيهم من يفضله في المال ، فهو يفضلهم في كمال الجسم وتمام العقل ، وذلك مما يكمل به الملك ويجمل به الملوك! جمال وروعة في المظهر ، وفى المخبر .. معا .. « وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » يصطفى من يشاء لما يشاء ، وسع فضله كل شىء ، وأحاط علمه بكل شىء ، فلا معقّب لحكمه ، ولا منازع له في سلطانه. « فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا » ؟

ولم يطمئن القوم إلى ما أخبرهم به نبيّهم عن طالوت ، وأن اللّه قد اصطفاه لهذه المهمة ، وأن عنده من مستلزمات الملك ما ليس لأحد منهم .. بسطة في العلم والجسم .. ولكنهم أبوا أن يخفّوا للانضواء إليه والقتال تحت رايته ..

فجاءهم نبيهم بآية محسوسة ، يجدونها بين أيديهم ، أمارة على اصطفاء اللّه له ، وهو أن يعود إليهم التابوت الذي افتقدوه من زمن بعيد ، وفى هذا التابوت سكينة واطمئنان لهم ، إذ كانوا يجدون في وجوده بينهم دلالة على رضى اللّه عنهم وتأييده لهم في القتال. وفى هذا الصندوق أيضا بعض من مخلفات موسى وهرون ..

وفى هذا شاهد واقعي يشهد لصدق النبىّ ، ويؤيد ما بلّغ به عن ربّه في شأن طالوت! والتابوت هو « صندوق » يقال إنه هو الذي كان قد وضع فيه موسى حين ألقته أمه في اليمّ ، ويمكن أن يكون صندوقا من صنع موسى كان يضع فيه الألواح والعصا ، وغير ذلك من آثاره وآثار هارون ، وكانوا يصحبون التابوت معهم في حروبهم ، تبركا به ، فلما كان القوم في بعض حروبهم مع عدوّهم ، وغلبوا على أمرهم ، واستبيحت ديارهم وأموالهم ، حمل أعداؤهم هذا التابوت ، فيما حملوا من مال ومتاع!

فكانوا بعد ذلك لا يجرءون على ملاقاة عدو! وجاءهم التابوت وما كان فيه من آثار ، وعندها وجدوا السكينة ، والاطمئنان .. فآمنوا وصدّقوا ، ورضوا بطالوت ملكا وقائدا .. وهكذا يقاد القوم قسرا ، بيد الآيات المعجزة القاهرة ، التي تسدّ عليهم منافذ ، المعاذير والعلل ، التي يقيمونها بين يدى كل أمر يدعون إليه من اللّه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت