فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 608

أما والقوم قد أبوا أن يصدّقوا إلا أن يروا بأعينهم ، فقد ابتلاهم اللّه ، ووضعهم أمام تجربة حسيّة يدعوهم إليها « طالوت » الذي جاءهم بالآيات ليحملهم على التصديق به .. وليس لهم بعد ذلك أن يخرجوا عن طاعته ، بعد أن استيقنوا أن اللّه قد اصطفاه عليهم .. وها هوذا يدعوهم إلى محنة قاسية ، لم يكن لهم أن يتحللوا منها بحال أبدا .. إنها من طالوت ، وإن طالوت من اللّه ، وشاهده في يده!!

« قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ » .هذه هى التجربة ، وهذا هو الابتلاء.! فالقوم عطشى والماء بين أيديهم ، وكلمة اللّه إليهم: « ألّا يشربوا من هذا الماء وألا يرووا ظمأهم » .

وفى هذا:

أولا: امتحان لإيمانهم ، واستجابتهم لما يدعون إليه ، وهم في وجه تجربة أقسى وأمر ، هى لقاء العدوّ الذي عرفوه وعرفوا بأسه وجبروته وبطشه بهم ، وبآبائهم من قبل! وثانيا: أن ذلك رياضة لهم وتدريب على احتمال مكاره الحرب وأهوالها ، وربما كان الظمأ أهون شىء فيها.

هذا بعض ما تنطوى عليه التجربة في كيانها ، ولكن القوم لا يرون إلا ما يطفو على ظاهرها ، وأنها ليست إلا تحكما من طالوت ، لا يمليه عليه إلا حبّ التسلط والاستبداد ، وهذا ما يضاعف من كمدهم وحقدهم .. ليجعل اللّه ذلك حسرة في قلوبهم .. إنهم يحومون حول الماء ولا يردونه ، وتحترق أكبادهم ظمأ ويحرم عليهم أن يشربوا منه .. « كَذلِكَ الْعَذابُ ، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ » (16: فصلت) .

وإن القوم لعلى ما هم عليه من فساد طوية واعتلال نية .. فخرجوا عن أمر نبيهم ، وشربوا من النهر وعبّوا ، إلا قليلا منهم ممن عافاه اللّه من هذه المحنة ، فتجنّب النهر ولم يشرب منه! وقد اعتزل طالوت أولئك الذين شربوا ، وخلص بالذين لم يشربوا أو اغترفوا غرفة بأيديهم .. وحين رأى القوم عدوّهم يقودهم قائدهم الجبار « جالوت » فزعوا واضطربوا وقالوا: « لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ » ولكن قلة قليلة منهم ممن آمن باللّه ، ووثق بما أعده في الآخرة لعباده المؤمنين ، فآثروا الآخرة على الدنيا ، وزهدوا بما في أيديهم طمعا بما في يد اللّه ـ هؤلاء لم يلتفوا إلى ماوراءهم من أهل وولد ومال ، ولم يخفهم الموت الراصد لهم في يد أعدائهم ، فلم يهابوا العدوّ وكثرته وقوته ، وأطمعهم هذا الشعور في عدوّهم ، ورأوا أنهم في قلتهم المؤمنة الصابرة أقوى من عدوّهم الذي لا يؤمن باللّه ولا يصبر على المكروه ، إلا طمعا في مغانم الدنيا ومتاعها .. وإذ قال غيرهم: « لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ » قالوا هم: « كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت