فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 608

الَّتِي تَخْضَعُ لِأَصْحَابِ الْعَظَمَةِ الْوَهْمِيَّةِ ، وَهِيَ الَّتِي لَيْسَتْ صِفَةً لِنَفْسِ صَاحِبِهَا كَالْمَالِ وَالِانْتِسَابِ إِلَى بَعْضِ الْعُظَمَاءِ فِي عُرْفِهِمْ ، سَوَاءً كَانَتْ عَظَمَتُهُمْ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ . هَذَا مَوْضِعُ الْخَطَأِ فِي تَعْظِيمِ ذِي النَّسَبِ ، وَيَشْتَدُّ خَطَرُهُ إِذَا صَارَ الْأَنْسَابُ يَسْتَعْلُونَ عَلَى النَّاسِ بِأَنْسَابِهِمْ دُونَ عُلُومِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ ، وَالْقُرْآنُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ وَجْهُ قَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ نَظَرٌ لَا مَحَلَّ هُنَا لِبَسْطِهِ ، وَلَكِنْ نَقُولُ بِالْإِجْمَالِ: إِنَّ الِانْتِسَابَ إِلَى أَهْلِ الشَّرَفِ الْحَقِيقِيِّ ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْمَعَارِفِ الصَّحِيحَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَالنُّفُوسِ الْكَرِيمَةِ الْعَزِيزَةِ ، لَهُ أَثَرٌ فِي النَّفْسِ عَظِيمٌ; فَإِنَّ سَلِيلَ الشُّرَفَاءِ جَدِيرٌ بِأَنْ يُحَافِظَ عَلَى كَرَامَةِ نَفْسِهِ فَلَا يُدَنِّسُهَا بِالْخِيَانَةِ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرِثَ شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِهِمُ النَّفْسِيَّةِ فَيَكُونُ اسْتِعْدَادُهُ لِلْخَيْرِ أَعْظَمَ فِي الْغَالِبِ .

وَإِنَّكَ لِتَجِدُ الْأُمَمَ الرَّاقِيَةَ فِي الْعِلْمِ وَالِاجْتِمَاعِ تَخْتَارُ مُلُوكَهَا مِنْ سُلَالَةِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَتُحَافِظُ عَلَى قَوَانِينِ الْوِرَاثَةِ فِي ذَلِكَ ، وَمَا ارْتَقَى عَنْ هَذَا إِلَّا أَصْحَابُ الْحُكُومَةِ الْجُمْهُورِيَّةِ .

وَقَدْ جَاءَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَسَطًا فَلَمْ يُغْفِلْ أَمْرَ النَّسَبِ بِالْمَرَّةِ لِئَلَّا تَتَّسِعَ دَائِرَةُ الْخِلَافِ بِطَمَعِ كُلِّ قَبِيلَةٍ فِي الْإِمَامَةِ الْكُبْرَى ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْأَمْرَ فِي بَيْتٍ مُعَيَّنٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْغَوَائِلِ ، بَلْ جَعَلَهُ فِي قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ كَثِيرَةِ الْعَدَدِ لَا تَخْلُو مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْإِمَامَةِ - وَهِيَ مُحْتَرَمَةٌ فِي نَفْسِهَا - كَانَتْ مُحْتَرَمَةً فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ ، وَيُرْجَى أَنْ يَدُومَ احْتِرَامُهَا مَا دَامَ الْإِسْلَامُ الَّذِي أَتَمَّ اللهُ نِعْمَتَهُ عَلَى الْبَشَرِ بِجَعْلِ رَسُولِ اللهِ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ مِنْهَا أَلَا وَهِيَ قُرَيْشٌ . فَمِنَ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ أَنْ تَظَلَّ الرِّيَاسَةُ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ مُرْتَبِطَةً بِتَارِيخِ مَاضِيهَا وَقَوْمِ مُؤَسِّسِهَا كَارْتِبَاطِ دِينِهَا بِوَطَنِهِ فِي عِبَادَتِهَا الشَّخْصِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَهُمَا الصَّلَاةُ وَالْحَجُّ .

(السَّابِعَةُ) أَنَّ الشُّرُوطَ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِي اخْتِيَارِ الرَّجُلِ فِي الْمُلْكِ هِيَ مَا اسْتَفَدْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) الْآيَةَ ، كَمَا تَقَدَّمَ .

(الثَّامِنَةُ) هِيَ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) كَمَا بَيَّنَاهُ مُعَزَّزًا بِالشَّوَاهِدِ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ ، عَلَى أَنَّ مَشِيئَتَهُ تَعَالَى إِنَّمَا تَنْفُذُ بِمُقْتَضَى سُنَنِهِ الْعَامَّةِ فِي تَغْيِيرِ أَحْوَالِ الْأُمَمِ .

بِتَغْيِيرِهِمْ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَفِي سَلْبِ مُلْكِ الظَّالِمِينَ وَإِيرَاثِ الْأَرْضِ لِلصَّالِحِينَ ، وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَاتِ وَأَمْثَالِهَا مُشَاهَدٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ ، وَأَيْنَ الْمُبْصِرُونَ ؟ ! (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) (21: 44) أَوْ لَمْ يَسْمَعُوا دَعْوَةَ الْأَنْبِيَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) (26: 150 - 152) أَيَظُنُّ الْمُسْلِمُ الْغَافِلُ أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: (قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) (3: 26) هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مُخَالَفَةِ سُنَنِهِ الَّتِي بَيَّنَتْهَا الْآيَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ ؟ بَلْ أَقُولُ وَلَا أَخْشَى فِي الْحَقِّ لَوْمَةَ لَائِمٍ: أَيَظُنُّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت