تَنَازُعَ الْأُمَمِ وَالدُّوَلِ عَلَى مَمَالِكِهِمْ وَسَلْبِهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ مُخَالِفٌ لِعَدْلِ اللهِ الْعَامِّ وَسُنَنِهِ الْحَكِيمَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ ؟ كَلَّا إِنَّهُ تَعَالَى مَا فَرَّطَ فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ، وَلَكِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ فَرَّطُوا فَذَاقُوا جَزَاءَ تَفْرِيطِهِمْ ، فَإِنْ تَابُوا وَأَصْلَحُوا تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ، وَإِلَّا فَقَدَ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ .
(التَّاسِعَةُ) أَنَّ طَاعَةَ الْجُنُودِ لِلْقَائِدِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ شَرْطٌ فِي الظَّفْرِ وَاسْتِقَامَةِ الْأَمْرِ ، وَقَوَانِينُ الْجُنْدِيَّةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى طَاعَةِ الْجَيْشِ لِقُوَّادِهِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَالْمَعْقُولِ وَغَيْرِ الْمَعْقُولِ ، فَإِذَا أَمَرَ الْقَائِدُ بِتَسْلِيمِ الدِّيَارِ أَوِ الْأَمْوَالِ أَوِ الْأَنْفُسِ لِلْأَعْدَاءِ وَجَبَ تَسْلِيمُهَا فِي قَانُونِ كُلِّ دَوْلَةٍ ، نَعَمْ; إِنَّهُمْ قَرَنُوا بِهَذَا الْحَقِّ لِلْقَائِدِ إِيجَابَهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يُبْرِمَ الْأُمُورَ بِاسْتِشَارَةِ أَهْلِ الرَّأْيِ فِي الْفُنُونِ الْعَسْكَرِيَّةِ ، وَهُمُ الَّذِينَ يُسَمُّونَهُمْ أَرْكَانَ الْحَرْبِ ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ وَرَئِيسَهُمُ مُقَيَّدُونَ بِدُسْتُورِ الدَّوْلَةِ الْعَامِّ ، وَبِمُوَافَقَةِ مَجْلِسِ نُوَّابِ الْأُمَّةِ عَلَى مَا نَصَّ الدُّسْتُورُ عَلَى وُجُوبِ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَيْهِ ، وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ يُحَاكَمُ وَيُعَاقَبُ .
(الْعَاشِرَةُ) أَنَّ الْفِئَةَ الْقَلِيلَةَ قَدْ تَغْلِبُ - بِالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَطَاعَةِ الْقُوَّادِ - الْفِئَةَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي أَعْوَزَهَا الصَّبْرُ وَالِاتِّحَادُ ، مَعَ طَاعَةِ الْقُوَّادِ; لِأَنَّ نَصْرَ اللهِ مَعَ الصَّابِرِينَ; أَيْ جَرَتْ سُنَّتُهُ بِأَنْ يَكُونَ النَّصْرُ أَثَرًا لِلثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ ، وَأَنَّ أَهْلَ الْجَزَعِ وَالْجُبْنِ هُمْ أَعْوَانٌ لِعَدُوِّهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ ، وَهُوَ كَثِيرٌ لَا مُطَّرِدٌ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ .
(الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللهِ تَعَالَى وَالتَّصْدِيقَ بِلِقَائِهِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ فِي مَوَاقِفِ الْجِلَادِ; فَإِنَّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِأَنَّ لَهُ إِلَهًا غَالِبًا عَلَى أَمْرِهِ يَمُدُّهُ بِمَعُونَتِهِ الْإِلَهِيَّةِ كَمَا أَمَدَّهُ بِالْقُوَى الرُّوحِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ ، فَإِذَا ظَفَرَ بِإِذْنِهِ كَانَ مُصْلِحًا فِي الْأَرْضِ مُسْتَعْمِرًا فِيهَا ، وَإِذَا قَبَضَهُ إِلَيْهِ بِانْتِهَاءِ أَجَلِهِ الْمُسَمَّى كَانَ فِي رَحْمَتِهِ نَاعِمًا فِيهَا ، لَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَسْتَخِفَّ بِالْأَهْوَالِ ، وَيَثْبُتَ فِي الْقِتَالِ ثَبَاتَ الْأَجْبَالِ ، وَقَدْ وَافَقْنَا كِتَابَ الْإِفْرِنْجِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَصَرَّحُوا بِأَنَّ مِنْ أَسْبَابِ ثَبَاتِ الْبُوَيْرِ وَبَلَائِهِمْ فِي حَرْبِهِمْ لِلْإِنْجِلِيزِ كَوْنَهُمْ أَقْوَى إِيمَانًا وَأَرْسُخَ عَقِيدَةً ، وَجَمِيعُ الْأُمَمِ تَشْهَدُ بِأَنَّ الْجَيْشَ الْعُثْمَانِيَّ أَثْبَتُ جُيُوشِ الْعَالَمِ وَأَصْبَرَهُ وَأَشْجَعَهُ . وَقَدْ تَمَنَّى قَائِدٌ أَلْمَانِيٌّ يُعَدُّ مِنْ أَشْهَرِ قُوَّادِ الْأَرْضِ لَوْ أَنَّ لَهُ مِائَةَ أَلْفٍ مِنْ هَذَا الْجَيْشِ لِيَمْلِكَ بِهَا الْعَالَمَ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُ جَيْشٌ يُؤْمِنُ بِلِقَاءِ اللهِ تَعَالَى إِيمَانًا قَوِيًّا يَقِلُّ فِي قُوَّادِهِ مَنْ يُسَاوِيهِ فِيهِ .
(الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) أَنَّ التَّوَجُّهَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ مُفِيدٌ فِي الْقِتَالِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ) إِذْ عَطَفَهَا بِالْفَاءِ عَلَى آيَةِ الدُّعَاءِ ، وَذَلِكَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى; فَإِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ آيَةُ ذَلِكَ الْإِيمَانِ الَّذِي بَيَّنَّا فَائِدَتَهُ آنِفًا; وَلِذَلِكَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (8: 45) فَيُرَاجَعُ تَفْسِيرُهَا فِي الْجُزْءِ الْعَاشِرِ .
(الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ مِنَ السُّنَنِ الْعَامَّةِ ، وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ عُلَمَاءُ الْحِكْمَةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ بِتَنَازُعِ الْبَقَاءِ ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْحَرْبَ طَبِيعِيَّةٌ فِي الْبَشَرِ; لِأَنَّهَا مِنْ فُرُوعِ سُنَّةِ تَنَازُعِ الْبَقَاءِ الْعَامَّةِ .