وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ لَيْسَ نَصًّا فِيمَا يَكُونُ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ خَاصَّةً ، بَلْ هُوَ عَامٌّ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّنَازُعِ بَيْنَ النَّاسِ الَّذِي يَقْتَضِي الْمُدَافَعَةَ وَالْمُغَالَبَةَ . وَيَظُنُّ بَعْضُ الْمُتَطَفِّلِينَ عَلَى عِلْمِ السُّنَنِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ أَنَّ تَنَازُعَ الْبَقَاءِ الَّذِي يَقُولُونَ إِنَّهُ سُنَّةٌ عَامَّةٌ هُوَ مِنْ أَثَرَةِ الْمَادِّيِّينَ فِي هَذَا الْعَصْرِ ، وَأَنَّهُ جَوْرٌ وَظُلْمٌ ، هُمُ الْوَاضِعُونَ لَهُ وَالْحَاكِمُونَ بِهِ ، وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِهَدْيِ الدِّينِ ، وَلَوْ عَرَفَ مَنْ يَقُولُونَ هَذَا مَعْنَى الْإِنْسَانِ أَوْ لَوْ عَرَفُوا أَنْفُسَهُمْ ، أَوْ لَوْ فَهِمُوا هَذِهِ الْآيَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ سُورَةِ الْحَجِّ لَمَا قَالُوا مَا قَالُوا .
(الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) يُؤَيِّدُ السُّنَّةَ الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْهَا عُلَمَاءُ الِاجْتِمَاعِ بِالِانْتِخَابِ الطَّبِيعِيِّ أَوْ بَقَاءِ الْأَمْثَلِ . وَوَجْهُ ذَلِكَ جَعْلُ هَذَا مِنْ لَوَازِمِ مَا قَبْلَهُ; فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ مُدَافَعَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنِ الْحَقِّ وَالْمَصْلَحَةِ هُوَ الْمَانِعُ مِنْ فَسَادِ الْأَرْضِ ، أَيْ: هُوَ سَبَبُ بَقَاءِ الْحَقِّ وَبَقَاءِ الصَّلَاحِ . وَيُعَزِّزُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ حِكْمَةِ الْإِذْنِ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (22: 39 - 41) فَهَذَا إِرْشَادٌ إِلَى تَنَازُعِ الْبَقَاءِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ ، وَأَنَّهُ يَنْتَهِي بِبَقَاءِ الْأَمْثَلِ وَحِفْظِ الْأَفْضَلِ .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ) (13: 17) فَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ سُيُولَ الْحَوَادِثِ وَنِيرَانَ التَّنَازُعِ تَقْذِفُ زَبَدَ الْبَاطِلِ الضَّارَّ فِي الِاجْتِمَاعِ وَتَدْفَعُهُ ، وَتُبْقِي إِبْلِيزَ الْحَقِّ النَّافِعَ الَّذِي يَنْمُو فِيهِ الْعُمْرَانُ ، وَإِبْرِيزَ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا الْإِنْسَانُ ، وَهُنَاكَ آيَاتٌ أُخْرَى فِي أَنَّ الْحَقَّ يُزْهِقُ الْبَاطِلَ . وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَدَفْعُ الشُّبَهِ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِهَا إِنْ أَمْهَلَنَا الزَّمَانُ ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ . اهـ . [1]
وفي الظلال:"ألم تر؟ كأنها حادث واقع ومشهد منظور .. لقد اجتمع الملأ من بني إسرائيل ، من كبرائهم وأهل الرأي فيهم - إلى نبي لهم. ولم يرد في السياق ذكر اسمه ، لأنه ليس المقصود بالقصة ، وذكره هنا لا يزيد شيئا في ايحاء القصة ، وقد كان لبني إسرائيل كثرة من الأنبياء يتتابعون في تاريخهم"
(1) - تفسير المنار - (2 / 373)