كل أمل يتعزّون به في مستقبل الأيام .. فأيامهم المقبلة أشد سوادا وأكثر شؤما من يومهم هذا الذي هم فيه." [1] "
وفي تفسير المنار:"يَقُولُ - تَعَالَى -: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْمَغْرُورِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَبِأَعْوَانِهِمْ وَأَنْصَارِهِمْ: لَا تَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ الْعَدَدِ وَلَا بِمَا يَأْتِي بِهِ الْمَالُ مِنَ الْعَدَدِ ، وَلَا تَحْسَبُوا أَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي يُفْضِي إِلَى النَّصْرِ وَالْغَلَبِ ، فَإِنَّ فِي الِاعْتِبَارِ بِبَعْضِ حَوَادِثِ الزَّمَانِ أَوْضَحَ آيَةٍ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الْحُسْبَانِ ، فَذَكَرَ الْفِئَتَيْنِ ، أَيِ الطَّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ الْتَقَتَا فِي الْقِتَالِ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمِثَالِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ هِيَ مَا كَانَ فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ تُشِيرُ إِلَى وَقْعَةِ بِدْرٍ - كَمَا قَالَ الْمُفَسِّرُ (الْجَلَالُ) - وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ إِشَارَةً إِلَى وَقَائِعَ أُخْرَى قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، وَيُرَجَّحُ هَذَا إِذَا كَانَ الْخِطَابُ لِلْيَهُودِ ; فَإِنَّ فِي كُتُبِهِمْ مِثْلَ هَذِهِ الْعِبْرَةِ كَقِصَّةِ طَالُوتَ وَجَالُوتَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ . أَقُولُ: (أَوْ قِصَّةُ جَدْعُونَ عَلَى مَا عِنْدَهُمْ مِنَ التَّحْرِيفِ) وَيُرَجَّحُ الْأَوَّلُ إِذَا كَانَ الْخِطَابُ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ ، وَثَبَتَ أَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ كَانَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ، وَقَدْ كَانَتِ الْفِئَةُ الْكَافِرَةُ فِي بَدْرٍ ثَلَاثَةَ أَضْعَافِ الْمُسْلِمَةِ ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونُوا مَعَ ذَلِكَ رَأَوْهُمْ مِثْلَيْهِمْ فَقَطْ ; لِأَنَّ اللهَ قَلَّلَهُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ كَمَا وَرَدَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ . أَقُولُ: وَهَذَا التَّصْحِيحُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الرَّائِينَ هُمُ الْفِئَةُ الَّتِي تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَهِيَ الْمُؤْمِنَةُ ، وَأَنَّ الْمَرْئِيِّينَ هُمُ الْفِئَةُ الْكَافِرَةُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ."
وَقِيلَ: إِنَّ الرَّائِينَ وَالْمَرْئِيِّينِ هُمُ الْمُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ مِثْلَيْ مَا هُمْ عَلَيْهِ عَدَدًا . وَقِيلَ: إِنَّ الرَّائِينَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَالْمَرْئِيِّينَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، أَيْ أَنَّ الْكَافِرِينَ يَرَوْنَ الْمُؤْمِنِينَ - عَلَى قِلَّتِهِمْ - مِثْلَيْهِمْ فِي الْعَدَدِ لِمَا وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ وَالْخَوْفِ ، وَقَدْ حَاوَلَ مَنْ قَالَ بِهَذَا تَطْبِيقَهُ عَلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي خِطَابِ أَهْلِ بَدْرٍ: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [8: 44] ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قُلِّلُوا فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ أَوَّلًا فَتَجَرَّءُوا عَلَيْهِمْ ، فَلَمَّا الْتَقَوْا كَثَّرَهُمُ اللهُ فِي أَعْيُنِهِمْ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ ، كُلُّ هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ . وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ نَافِعٍ ، فَالْمَعْنَى: تَرَوْنَهُمْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ مِثْلَيْهِمْ ، وَهِيَ لَا تُنَافِي قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ وَإِنَّمَا تُفِيدُ مَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ كَانُوا يَرَوْنَ الْكَافِرِينَ
مِثْلَيِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِذَا كَانَ الْخِطَابُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ فَهُوَ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ رَأَى ذَلِكَ وَعَلِمَ بِهِ الْآخَرُونَ ، وَإِذَا كَانَ لِلْيَهُودِ فَالْيَهُودُ كَانُوا مُشْرِفِينَ أَيْضًا بِكُلِّ عِنَايَةٍ عَلَى مَا جَرَى بِبَدْرٍ وَغَيْرِ بَدْرٍ مِنَ الْقِتَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ ; عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ نَصًّا فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ ، وَالْيَهُودُ قَدْ شَهِدُوا مِثْلَ ذَلِكَ
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 411)