فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 608

فِي الْمَاضِي . وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْقُرْآنَ يُسْنِدُ إِلَى الْحَاضِرِينَ مِنَ الْأُمَّةِ عَمَلَ الْغَابِرِينَ لِإِفَادَةِ مَعْنَى الْوَحْدَةِ وَالتَّكَافُلِ ، وَظُهُورِ أَثَرِ الْأَوَائِلِ فِي الْأَوَاخِرِ ، وَرَأَوْا مِثْلَهُ فِي زَمَنِ الْخِطَابِ فِي حَرْبِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ .

وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: رَأْيَ الْعَيْنِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِيَرَوْنَهُمْ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إِذَا كَانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عِلْمِيَّةً اعْتِقَادِيَّةً - كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ - فَالْمَعْنَى عَلَى التَّشْبِيهِ ، أَيْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مِثْلَهُمْ عِلْمًا مِثْلَ الْعِلْمِ بِرُؤْيَةِ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْفِئَتَيْنِ .

وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ الْآيَةَ تُرْشِدُ إِلَى الِاعْتِبَارِ بِمِثْلِ الْوَاقِعَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا الَّتِي غَلَبَتْ فِيهَا فِئَةٌ قَلِيلَةٌ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ أَيْ لِأَصْحَابِ الْأَبْصَارِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ فِيمَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ مِنَ التَّأَمُّلِ فِي الْأُمُورِ بِقَصْدِ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا لَا لِمَنْ وُصِفُوا بِقَوْلِهِ: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [7: 179] وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْأَبْصَارَ هُنَا بِمَعْنَى الْبَصَائِرِ وَالْعُقُولِ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَعْنِي بِأُولِي الْأَبْصَارِ مَنْ أَبْصَرُوا بِأَعْيُنِهِمْ قِتَالَ الْفِئَتَيْنِ ، وَمَا ذَكَرْتُهُ أَظْهَرُ ، وَلَا أَحْفَظُ عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي هَذَا شَيْئًا ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ عَنِ الْعِبْرَةِ فَقَالَ مَا مِثَالُهُ مَبْسُوطًا مَزِيدًا فِيهِ: وَجْهُ الْعِبْرَةِ أَنَّ هُنَاكَ قُوَّةً فَوْقَ جَمِيعِ الْقُوَى قَدْ تُؤَيِّدُ الْفِئَةَ الْقَلِيلَةَ فَتَغْلِبُ الْكَثِيرَةَ بِإِذْنِ اللهِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ بِهِ سُنَّتَهُ - تَعَالَى - فِي مِثْلِ هَذَا التَّأْيِيدِ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيَجِبُ أَخْذُهُ بِجُمْلَتِهِ ، بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ نَفْسُهَا تَهْدِي إِلَى السِّرِّ فِي هَذَا النَّصْرِ ، فَإِنَّهُ قَالَ: فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَتَى كَانَ الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللهِ - أَيْ سَبِيلِ حِمَايَةِ الْحَقِّ وَالدِّفَاعِ عَنِ الدِّينِ وَأَهْلِهِ - فَإِنَّ النَّفْسَ تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ قُوَّةٍ وَشُعُورٍ وَوِجْدَانٍ ، وَمَا يُمْكِنُهَا مِنْ تَدْبِيرٍ وَاسْتِعْدَادٍ مَعَ الثِّقَةِ بِأَنَّ وَرَاءَ قُوَّتِهَا مَعُونَةَ اللهِ وَتَأْيِيدَهُ ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [8: 45 - 47] أَقُولُ وَهَذَا مِمَّا نَزَلَ فِي وَاقِعَةِ بَدْرٍ الَّتِي قِيلَ إِنَّ الْآيَةَ الَّتِي نُفَسِّرُهَا نَزَلَتْ فِيهَا وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي حُكْمِهِ مُطْلَقًا فِي عِبَارَتِهِ أَمَرَ اللهُ - تَعَالَى - الْمُؤْمِنِينَ بِالثَّبَاتِ وَبِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ الَّذِي يَشُدُّ عَزَائِمَهُمْ وَيُنْهِضُ هِمَمَهُمْ ، وَبِالطَّاعَةِ لَهُ - تَعَالَى - وَلِرَسُولِهِ ، وَكَانَ هُوَ الْقَائِدُ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ - وَطَاعَةُ الْقَائِدِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الظَّفَرِ - وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّنَازُعِ وَأَنْذَرَهُمْ عَاقِبَتَهُ وَهِيَ الْفَشَلُ وَذَهَابُ الْقُوَّةِ ، وَحَذَّرَهُمْ أَنْ يَكُونُوا كَأُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ; إِذْ خَرَجُوا لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ لِعِلَّةِ الْبَطَرِ وَالطُّغْيَانِ وَمُرَاءَاةِ النَّاسِ بِقُوَّتِهِمْ وَعِزِّهِمْ ، وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ، فَبِهَذِهِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي تُعْرَفُ سُنَّةُ اللهِ فِي نَصْرِ الْفِئَةِ الْقَلِيلَةِ عَلَى الْكَثِيرَةِ . وَقَالَ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَيْضًا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [8: 60] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت