القلوب ، وتشرق بنوره الآفاق « وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » (8: الصف) وهكذا يصنع اللّه للإسلام ، فيجعل له من الضيق فرجا ، ومن البلاء عافية ، ومن الشر خيرا ونعمة!" [1] "
وفي تفسير المنار:"أَيْ إِنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى إِيقَاعِ الضَّرَرِ بِكُمْ وَلَكِنْ يُؤْذُونَكُمْ بِنَحْوِ الْكَلَامِ الْقَبِيحِ كَالْخَوْضِ فِي النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، أَوْ إِلَّا ضَرَرًا خَفِيفًا لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ تَأْثِيرٍ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ تَوْلِيَةُ الْأَدْبَارِ: كِنَايَةٌ عَنِ الِانْهِزَامِ لِأَنَّ الْمُنْهَزِمَ يُحَوِّلُ ظَهْرَهُ إِلَى جِهَةِ مُقَاتِلِهِ وَيَسْتَدْبِرُهُ فِي هَرَبِهِ مِنْهُ ، فَيَكُونُ دُبُرُهُ أَيْ قَفَاهُ إِلَى جِهَةِ وَجْهِ مَنِ انْهَزَمَ هُوَ مِنْهُ . ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ عَلَيْكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ، أَوْ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَا يُنْصَرُونَ عَلَيْكُمْ قَطُّ مَا دَامُوا عَلَى فِسْقِهِمْ وَدُمْتُمْ عَلَى خَيْرِيَّتِكُمْ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ . وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْجُمْلَةُ إِخْبَارِيَّةً مُسْتَقِلَّةً لَا تَدْخُلُ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ وَلِذَلِكَ وَرَدَتْ بِنُونِ الرَّفْعِ . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ثَلَاثُ بِشَارَاتٍ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ ، وَكُلُّهَا تَحَقَّقَتْ وَصَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ ."
وَقَدْ أَوْرَدَ"الرَّازِيُّ"عَلَى الْوَعْدِ بِأَنَّهُمْ لَا يُنْصَرُونَ: أَنَّهُ يَصْدُقُ فِي الْيَهُودِ دُونَ النَّصَارَى أَيْ إِنَّ الْيَهُودَ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُنْصَرُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا كَانَ مِنِ انْكِسَارِهِمْ فِي الْحِجَازِ ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَقَدْ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ سِجَالًا ثُمَّ صَارُوا هُمُ الْمَنْصُورِينَ ، وَأَجَابَ (الرَّازِيُّ) عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّ الْآيَةَ خَاصَّةٌ بِالْيَهُودِ ، نَعَمْ وَمَا قُلْنَاهُ يَصْلُحُ جَوَابًا مُطْلَقًا ، وَيُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُهُ - تَعَالَى - نَصْرَ الْمُؤْمِنِينَ بِنَصْرِهِمْ إِيَّاهُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [47: 7] وَبِالْقِيَامِ بِمَا أَمَرَ بِهِ وَمِنْهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، كَمَا وَرَدَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ وَذَكَرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ . وَمِثْلُهُ وَصْفُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ [9: 112] وَقَدْ شَرَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى غَيْرَ مَرَّةٍ وَسَنُفَصِّلُهُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فِي مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ تَفْصِيلًا .
ثُمَّ قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ثُقِفُوا: وُجِدُوا . وَالذِّلَّةُ بِكَسْرِ الذَّالِ: ضَرْبٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الذُّلِّ لِأَنَّهَا مِنَ الصِّيَغِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْهَيْئَةِ ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْجِزْيَةُ ، وَقِيلَ: مَا يُحْدِثُهُ فِي النَّفْسِ مِنْ فَقْدِ السُّلْطَةِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَقَدْ فَرَّقَ (الرَّاغِبُ) بَيْنَ الذُّلِّ بِضَمِّ الذَّالِ وَالذِّلِّ بِكَسْرِهَا فَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: إِنَّهُ مَا كَانَ عَنْ قَهْرٍ ، وَفِي الثَّانِي: مَا كَانَ بَعْدَ تَصَعُّبٍ وَشِمَاسٍ ، وَمِنْهُ تَذْلِيلُ الدَّوَابِّ . وَضَرْبُ الذِّلَّةِ عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى الْيَهُودِ عِبَارَةٌ عَنْ إِلْصَاقِهَا بِهِمْ وَظُهُورِ أَثَرِهَا فِيهِمْ كَمَا يَكُونُ مِنْ ضَرْبِ السِّكَّةِ بِمَا يُنْقَشُ فِيهَا ، أَوْ عَنْ إِحَاطَتِهَا بِهِمْ كَإِحَاطَةِ الْخَيْمَةِالْمَضْرُوبَةِ بِمَنْ فِيهَا ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي تَفْسِيرِ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ
(1) -التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 553)