فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 608

الكريم ـ كانت مبذولة من المسلمين ، أو مطلوبا منهم بذلها ..! ولاختلاف المقام اختلف النظم .. ففى شراء اللّه سبحانه وتعالى ما يشترى من المؤمنين يقدم الأنفس على الأموال لأنها عند اللّه أكرم وأعز من المال ، على حين أن المال عند الناس أعز من الأنفس ، إذ يتقاتلون من أجله ، مخاطرين بأنفسهم ويقتلون أنفسهم في سبيله! وفى اختلاف النظم هنا إلفات للناس إلى ما ذهلوا عنه من أمر أنفسهم ، إذ استرخصوها إلى جانب المال ، على حين أنها شىء كريم عزيز عند اللّه.

ـ وفى قوله تعالى: « يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ » إشارة إلى أن من شأن المؤمن أن يكون له يد ظاهرة على عدوه ، وبلاء مؤثّر فيه ، وأنه قبل أن يقتل لا بد أن يقتل من عدوه واحدا أو أكثر ، حتى لا يذهب دمه هدرا ، وحتى بوهن العدو ويضعف من شوكته ، ويكتب بدمه حرفا من كلمة النصر التي كتبها اللّه للمؤمنين ..

ـ وقوله تعالى: « وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ .. وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ » ؟ هو توكيد لما وعد اللّه المؤمنين الذين باعوه أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة ، فهذا الوعد حق لا مرية فيه ـ كما جاء به القرآن والتوراة والإنجيل.

فذلك هو وعد اللّه للمؤمنين المجاهدين ، فيما جاءت به الكتب السماوية المنزلة من رب العالمين .. « وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ » ؟ وهل يخلف اللّه وعده ، أو ينقض عهده ؟ تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ..

هذا وليس بيع الأنفس والأموال للّه مرادا به بذلهما في القتال في سبيل اللّه ثم الوقوف بهما عند تلك الغاية وحدها .. فإذا لم يكن بين يدى المؤمن قتال ومجاهدة للعدو ، فهناك ميدان فسيح للجهاد في سبيل اللّه في غير ميدان القتال ، فمجاهدة النفس والوقوف بها عند حدود اللّه ، هو جهاد مبرور في سبيل اللّه ..

والعبادات بأنواعها ، وأداؤها على وجهها جهاد في سبيل اللّه ، والسعى في تحصيل الرزق من وجوهه المشروعة ، جهاد في سبيل اللّه .. والبر بالفقراء ، والإحسان إلى اليتامى .. هو جهاد في سبيل اللّه.

وإذا كانت الآية الكريمة قد خصّت القتال في سبيل اللّه بالذكر هنا ، فليس ذلك إلا تنويها يفضل الجهاد في ميدان القتال ، إذ يمثل الصورة الكاملة التي يبذل فيها المرء كل ما يملك ، ويقدم للّه فيها كل ما معه من نفس ومال ..

على خلاف أبواب الجهاد كلها ، فإنه يبذل بعضا من كلّ ، ويقدم للّه بعضا ويستبقى بعضا. وقوله تعالى: « فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » .

هو مباركة من اللّه سبحانه وتعالى لأولئك المؤمنين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم له ـ مباركة بهذه الصفقة التي عقدوها مع اللّه ، وتبشير لهم بالربح العظيم ، والمغنم الجزيل الذي وراءها .. إنها الجنة التي وعدهم اللّه بها وإنها الرضوان من رب العالمين .. وذلك هو الفوز العظيم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت