قوله تعالى: « التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ » .
تلك هى صفات المؤمنين الذين يؤهلهم إيمانهم لأن يبايعوا اللّه ، وأن يعقدوا معه هذه الصفقة الرابحة ، وأن يظفروا بهذا المغنم العظيم ..
فقوله تعالى: « التَّائِبُونَ » صفة للمؤمنين في قوله تعالى: « إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ » والتقدير « إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ » الذين هم التائبون العابدون ...
الآية ». والتائبون: هم الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم ، وتابوا إلى اللّه من قريب .. والعابدون: هم الذين يقرّون بالعبودية للّه ، ويعبدونه مخلصين العبادة له وحده .. والحامدون: هم الذين يحمدون اللّه على الضراء حمد هم إياه على السّرّاء .. يقولون كلّ من عند ربنا ، وكل ما هو من عنده فهو ـ سبحانه ـ المحمود ، الذي يستأهل وحده الحمد ، ويستوجب الرضا في السراء والضراء .. والسائحون: هم الصائمون .. وفى الحديث « سياحة أمّتى الصيام » .
والراكعون الساجدون: هم الذين يقيمون الصلاة ، ويؤدون ما افترض اللّه عليهم منها ..
والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر: هم الذين يدعون إلى الخير ، وينهون عن الشر .. وقد جاء العطف بينهما لأنهما وجهان لأمر واحد ، فمن أمر بمعروف فهو ناه عن منكر ، ومن نهى عن منكر فهو آمر بمعروف.
والحافظون لحدود اللّه: أي القائمون على ما أمر اللّه به ، والمجتنبون ما نهى اللّه عنه ..
فتلك هى صفات المؤمن في أعلى منازله ، وأشرف مراتبه ، وأكمل أحواله.
وكل صفة من هذه الصفات لا تتحقق في المؤمن على كما لها إلا إذا وفّاها حقّها ، وأداها على الوجه المطلوب أداؤه عليها ، وعندئذ يحقّ له أن يوصف بها ، ويدخل في أهلها.
وفى الجمع بين هذه الصفات ، دون أن يقوم بينها حرف عطف .. ما يشير إلى أنها جميعا بمنزلة صفة واحدة .. وأنه لا تتحقق أية صفة منها إلا إذا تحققت جميعا .. أو بمعنى آخر أن تحقيق أية صفة منها داعية لتحقيق الصفات كلها ..
فالتائب ، إذا صحّت توبته ، وحقق مضمونها ، كان عابدا ، حامدا ، سائحا ، راكعا ، ساجدا ، آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، حافظا لحدود اللّه.
والعابد ، إذا عبد اللّه كما ينبغى أن يعبد ، كان تائبا ، حامدا ، سائحا ، راكعا ساجدا ، آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، حافظا لحدود اللّه.