وهكذا في كل صفة من تلك الصفات ، إذا تحلّى المؤمن بواحدة منها ، كانت الصفات الأخرى من حليته!.
وواضح أن هذه الصفات إنما تعطى ثمرتها في ظل الإيمان باللّه ، فإذا لم يكن الإيمان قائما عليها ، فلا ثمرة لأىّ منها .. ولهذا جاءت هذه الصفات خاصة بالمؤمنين ، مقصورة عليهم.
قوله تعالى: « وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ » أي وبشّر أصحاب هذه الصفات ، الذين هم المؤمنون باللّه ، الذين حققوا صفة الإيمان ، واستحقوا أن يجزوا جزاء المؤمنين الذين باعوا اللّه أنفسهم وأموالهم ، في مقابل ما وعدهم اللّه به ، بأن لهم الجنة ، وهنأهم بهذا البيع الربيح بقوله: « فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » .
فالذين يتصفون بتلك الصفات ، هم من الذين اشترى اللّه منهم أنفسهم وأموالهم ، ولهم ما للمجاهدين الذين يقاتلون في سبيل اللّه ، وما وعدهم اللّه من رضوان وجنة وفوز عظيم .. ذلك أن المؤمن الذي يحقق تلك الصفات في نفسه إنما حققها لأنه رصد نفسه وماله في سبيل اللّه ، وفى ابتغاء مرضاته." [1] "
وفي تفسير المنار:"هَاتَانِ الْآيَتَانِ فِي بَيَانِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ حَقَّ الْإِيمَانِ ، الْبَالِغِينَ فِيهِ مَا هُوَ غَايَةٌ لَهُ مِنَ الْكَمَالِ ، وُضِعَتَا بَعْدَ بَيَانِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ ، وَأَصْنَافِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقَصِّرِينَ ، وَمِنْهُمَا تُعْرَفُ جَمِيعُ دَرَجَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا سِيَّمَا الْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ ."
(إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ هَذَا تَمْثِيلٌ لِإِثَابَةِ اللهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى بَذْلِ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِهِ بِتَمْلِيكِهِمُ الْجَنَّةَ دَارَ النَّعِيمِ الْأَبَدِيِّ ، وَالرِّضْوَانِ السَّرْمَدِيِّ ، تَفَضَّلَ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ بِجَعْلِهَا مِنْ قَبِيلِ مَنْ بَاعَ شَيْئًا هُوَ لَهُ لِآخَرَ ، لُطْفًا مِنْهُ تَعَالَى وَكَرَمًا وَتَكْرِيمًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِجَعْلِهِمْ كَالْمُتَعَاقِدِينَ مَعَهُ كَمَا يَتَعَاقَدُ الْبَيِّعَانِ عَلَى الْمَنَافِعِ الْمُتَبَادَلَةِ وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ الْمَالِكُ لِأَنْفُسِهِمْ إِذْ هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا ، وَالْمَالِكُ لِأَمْوَالِهِمْ إِذْ هُوَ الَّذِي رَزَقَهَا ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ . وَإِنَّمَا الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ - لَهُ . وَقَدْ جَعَلَهُمَا بِكَرَمِهِ لَهُمْ ، وَقَوْلُهُ: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) بَيَانٌ لِصِفَةِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى مَرْضَاتِهِ تَعَالَى فَيَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَيَكُونُونَ إِمَّا قَاتِلِينَ لِأَعْدَائِهِ الصَّادِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ ، وَإِمَّا مَقْتُولِينَ شُهَدَاءَ فِي هَذِهِ السَّبِيلِ . قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِتَقْدِيمِ (يَقْتُلُونَ) الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِتَقْدِيمِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ ، فَدَلَّتِ الْقِرَاءَتَانِ عَلَى أَنَّ الْوَاقِعَ هُوَ أَنْ يُقْتَلَ بَعْضُهُمْ وَيَسْلَمَ بَعْضٌ ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِي الْفَضْلِ ، وَالْمَثُوبَةِ عِنْدَ
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 898)