وقع وما لم يقع .. فالمراد بعلم اللّه هنا ، هو علمه الواقع على حال المؤمنين في هذا الوقت الذي يخاطبون فيه بهذا الخطاب.
وفى قوله تعالى: « وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ » ..إشارة إلى أن علم اللّه وإن كان محيطا بكل شىء ، قبل أن يقع .. من المكلفين » إلا أن المكلفين لا يحاسبون على ما يقع منهم إلا بعد أن يقع .. وبهذا يحاسب المكلّف على ما وقع منه فعلا ، وصار علما واقعا له ، بعد أن كان في علم اللّه ..
وقوله تعالى: « وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً » معطوف على قوله تعالى: « وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ » ..والوليجة: الملجأ ، والمعتمد ، الذي يلجأ إليه الإنسان ، ويتخذ منه جنّة ووقاية له .. والمعنى ، أن المطلوب من المؤمن هو الجهاد في سبيل اللّه ، وموالاة اللّه ورسوله والمؤمنين ، والاعتماد على كفاية اللّه ورسوله والمؤمنين له ، دون أن يقوم بينه وبين المشركين ولاء ، فلا يدخل معهم في خلف ، ولا يلج لهم أمرا يلتمس منه خيرا لنفسه ، أو سلامة مما يتوقّع من بلاء .. فإذا لم يقع منه هذا ، لم يكن أهلا لأن يدخل الجنّة التي وعدها اللّه المتقين من عباده ..
وقوله تعالى: « وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ » تحذير للمؤمنين الذين في صدورهم شىء من هذه المشاعر ، التي تقيم بينهم وبين المشركين صلة على حساب دينهم ، أو على حساب الجماعة الإسلامية ، وأمنها وسلامتها .. [1]
إن بروز قوة الإسلام وتقريرها ليستهوي قلوبا كثيرة تصد عن الإسلام الضعيف ، أو الإسلام المجهول القوة والنفوذ. وإن الدعوة إلى الإسلام لتختصر نصف الطريق حين تكون الجماعة المسلمة بادية القوة ، مرهوبة الجانب ، عزيزة الجناب.
على أن اللّه سبحانه وهو يربي الجماعة المسلمة بالمنهج القرآني الفريد لم يكن يعدها وهي في مكة قلة قليلة مستضعفة مطاردة ، إلا وعدا واحدا: هو الجنة. ولم يكن يأمرها إلا أمرا واحدا: هو الصبر .. فلما أن صبرت وطلبت الجنة وحدها دون الغلب ، آتاها اللّه النصر وجعل يحرضها عليه ويشفي صدورها به. ذلك أن الغلب والنصر عندئذ لم يكن لها ولكن لدينه وكلمته. وإن هي إلا ستار لقدرته ..
ثم إنه لم يكن بد أن يجاهد المسلمون المشركين كافة ، وأن تنبذ عهود المشركين كافة وأن يقف المسلمون إزاءهم صفا .. لم يكن بد من ذلك لكشف النوايا والخبايا ، ولإزالة الأستار التي يقف خلفها من لم يتجرد للعقيدة ، والأعذار التي يحتج بها من يتعاملون مع المشركين للكسب ، ومن يوادونهم لآصرة من قربى أو مضلحة .. لم يكن بد من إزالة هذه الأستار والمعاذير ، وإعلان المفاصلة للجميع ، لينكشف
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 714)