الذين يخبئون في قلوبهم خبيئة ، ويتخذون من دون اللّه ورسوله والمؤمنين وليجة ، يلجون منها إلى مصالحهم وروابطهم مع المشركين ، في ظل العلاقات غير المتميزة أو الواضحة بين المعسكرات المختلفة: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» .
لقد كان في المجتمع المسلم - كما هو الحال عادة - فئة تجيد المداورة ، وتنفذ من الأسوار. وتتقن استخدام الأعذار. وتدور من خلف الجماعة ، وتتصل بخصومها استجلابا للمصلحة ولو على حساب الجماعة ، مرتكنة إلى ميوعة العلاقات ووجود ثغرات في المفاصلة بين المعسكرات. فإذا وضحت المفاصلة وأعلنت قطعت الطريق على تلك الفئة ، وكشفت المداخل والمسارب للأنظار.
وإنه لمن مصلحة الجماعة ، ومن مصلحة العقيدة ، أن تهتك الأستار وتكشف الولائج ، وتعرف المداخل ، فيمتاز المكافحون المخلصون ، ويكشف المداورون الملتوون ، ويعرف الناس كلا الفريقين على حقيقته ، وإن كان اللّه يعلمهم من قبل: «وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» ..ولكنه سبحانه يحاسب الناس على ما يتكشف من حقيقتهم بفعلهم وسلوكهم. وكذلك جرت سنته بالابتلاء لينكشف الخبيء وتتميز الصفوف ، وتتمحص القلوب. ولا يكون ذلك كما يكون بالشدائد والتكاليف والمحن والابتلاءات. [1]
وقال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) } العنكبوت
هَلْ ظَنَّ النَّاسُ أنْ نَتْرَكَهُمْ وشَأْنَهُمْ بِمُجَرَّدِ نُطْقِهِمْ بالشَّهادَتَيْنِ ، وَقَوْلِهِمْ آمنَّا باللهِ وَرَسُولِهِ ، دُونَ أَنْ يَبْتَلِيَهُم اللهُ ، ويَخْتَبِرَ صِدْقَ إِيمَانِهِمْ: بِالهِجْرَةِ ، والتَّكَالِيفِ الدِّينْيةِ الأُخرى ، والجِهَادِ ، والمَصَائِبِ؟ كلاّ ، فإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَ عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ ، بِحَسَبِ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ إٍِيمانٍ .
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاَءً ؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ، وَيُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَدَعَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ ، وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ. [2] .
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1612)
(2) - صحيح ابن حبان - (ج 7 / ص 160) (2900) صحيح