وَلَقَدِ امتَحَنَ اللهُ المُؤمنينَ السَّالِفينَ ، وَعَرَّضَهُمْ للفِتْنَةِ والاخْتِبَارِ ، وغَايَتُهُ سُبحَانَهُ وَتَعالى مِنْ هذا الابتِلاءِ والاخْتِبارِ هيَ أَنْ يُمَحِّصَهُم فَيَعْلَمَ الذينَ صَدَقُوا في دَعوى الإِيمانِ ، مِمَّنْ هُمْ كاذبون في دَعواهُم ، ولِيُجَازِيَ كُلاّ بمَا يَسْتَحقُّهُ .
فالمؤمنون ، الذين لقيتهم هذه الآيات في أول الدعوة الإسلامية ـ كانوا في وجه محنة قاسية ، حيث انخلعوا عن أهليهم ، وانعزلوا عن مجتمعهم ، وكانوا قلة قليلة في مواجهة عاصفة عاتية ، تسوق إليهم البلاء بغير حساب ، حتى هاجروا من ديارهم ، وخرجوا من أموالهم .. فلما اجتمع لهم في موطنهم الجديد ، شىء من القوة ، وأذن اللّه لهم في القتال ـ كان أول لقاء لهم ، مع آبائهم ، وأبنائهم ، وإخوتهم ، فعملت سيوفهم في رقاب المشركين من أهليهم وذوى رحمهم ، فما نكل أحد منهم عن أن يضرب بسيفه من كان ـ قبل الإسلام ـ يفديه بنفسه ، ويلقى الموت دونه .. وقد حدّث التاريخ أن أبا بكر لقى ابنه في معركة بدر ، وقد عرفه ابنه ولم يعرفه .. فلما كان بعد زمن ، ودخل ابنه في الإسلام ، قال لأبيه: لقد عرضت لى يوم بدر ، فأعرضت عنك ، فقال له أبو بكر ، لو عرضت لى يومئذ ، وأمكننى اللّه منك ، لما رددت سيفى عنك!! ولا شك أن هذه كانت تجربة ثقيلة على نفوس المؤمنين ، وقد احتملوها صابرين ، وكانت آيات اللّه تتنزل عليهم ، فتبعث في نفوسهم المضطربة ، سكنا ، وتسوق إلى قلوبهم الملتهبة ، بردا وسلاما.
ونجد في قوله تعالى: « أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ » تصحيحا لما يقع في بعض النفوس المؤمنة من انزعاج أو استثقال لهذا العبء الذي حملوه من الإيمان باللّه .. كما نجد في الآية والآيات التي بعدها إجابات قاطعة على تلك التساؤلات التي كانت تتردد في الخواطر: لم يكون الإيمان هكذا غالى الثمن ، باهظ التكاليف ؟ ولم يحملنا إيماننا باللّه على هذا المركب الوعر ؟ ألسنا على الهدى ، وعلى الصراط المستقيم ؟ وهل هذا الطريق هكذا وعر المسالك ، مزدحم العقبات ؟
ونعم .. إن الإيمان هكذا غالى الثمن ، باهظ التكاليف ، وإن طريقه وعر المسالك جمّ العقبات!! إنه الطريق إلى الجنة ، وإن طريق الجنة محفوف بالمكاره! وإن هذا البلاء الذي يلقاه المؤمن على طريق إيمانه ، هو ابتلاء له ، وتمحيص لما عنده من صبر ومصابرة .. وهل يصفّى الذهب من الغثاء الذي علق به ، إلا إذا صهر بالنار ؟ « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ » (31: محمد) . « ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ » (179: آل عمران) .
وهل انكشف وجه النفاق ، وعرف المنافقون إلا في بوتقة الابتلاء ، وفي مقام التضحية والبذل ؟
إن الناس جميعا على سواء في حال الأمن والعافية .. فإذا كانت المحن والشدائد ، فهم أنماط وأشكال ، وهم معادن مختلفة ، بين غث وثمين! والاستفهام في الآية الكريمة ، للإنكار ، والنفي .. أي ليس الأمر