فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 608

على ما يظن الناس وما يقدرون ، من أنهم إذا قالوا آمنا كانوا مؤمنين .. كلّا ، إن ذلك لا يكون حتى يفتنوا ، وحتى يبتلوا .. وعندئذ ينكشف ما عندهم من إيمان ..

قوله تعالى: «وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ » هكذا حكم اللّه في عباده .. فكما امتحن اللّه المؤمنين في الأمم السابقة ، يمتحن سبحانه الذين أسلموا ، بما يفتنهم ، في دينهم مما يلقاهم من شدائد ومحن ..فمن كان صادق الإيمان ، سليم العقيدة ، خالص النية ، أمسك إيمانه في قلبه ، وثبت عليه ، ومن كان على غير تلك الصفة انخلع عن دينه ، وألقى به لأول مسة تمسه من بلاء ، وباعه بأبخس ثمن!.

ـ وفي قوله تعالى: « فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ » ـ بهذا الأمر المؤكد ـ إعلان للمؤمنين بأنهم في وجه ابتلاء ، وفي مواجهة فتن ، لا بد لهم منها .. إن لم تكن واقعة بهم فعلا ، فإنها ستقع حتما .. هكذا يجب أن يتقرر في نفوسهم من أول الطريق .. فمن شاء أن يكون في المؤمنين ، فليوطن نفسه على هذا ، وليستعد لحمل أفدح الضربات .. وإلا فليأخذ طريقا غير هذا الطريق ، وأمامه أكثر من طريق فسيح.!

والمؤمنون الأولون الذين دخلوا في الإسلام ، ورسخت أقدامهم فيه ، هم ـ كما شهد التاريخ ـ أصفى الناس جوهرا ، وأكرمهم معدنا .. فقد كانوا خلاصة مجتمعهم ، وثاقة عزم ، وقوة يقين .. فاحتملوا من الشدائد والمحن ما تتصدع به الجبال الراسيات .. « فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا .. وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ » « 146: آل عمران » ومن أجل هذا ، فقد شهد القرآن الكريم لهذه الصفوة المتخيرة من عباد اللّه أكرم شهادة ، وجعل ميزان الواحد منهم يعدل عشرة من غير المؤمنين ، فقال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ » (65: الأنفال) ..

وأنت ترى أن الصفة التي فرق بها القرآن بين هؤلاء المؤمنين ، والمشركين ، هى « الفقه » .. وهو ليس ذلك العلم النظري ، وإنما هو الحق الذي يملأ القلوب نورا ، فيكشف لصاحبه من آيات اللّه ، ودلائل قدرته ، وعلمه ، وحكمته ، ما يصغر به كل شىء ، إزاء عظمة الخالق وجلاله .. [1]

إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا. وهم لا يتركون لهذه الدعوى ، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم. كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (10 / 400)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت