إذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ وَخَادِمٌ وَدَارٌ سُمِّيَ مَلِكًا ) . وَأنَّهُ تَعَالَى آتَاهُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ المَنَّ وَالسَّلْوَى ، وَظَلَّلَهُمْ بِالغَمَامِ فِي مَسِيرَتِهِمْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ .
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أنَّ مُوسَى قَالَ لِقَوْمِهِ مُحَرِّضًا إيَّاهُمْ عَلَى الجِهَادِ لِلاسْتِيلاءِ عَلَى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ ( أي المُطَّهَرَةِ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ لِمَا بَعَثَ اللهُ فِيها مِنَ الأَنْبِيَاءِ الدُّعَاةِ إلى التَّوحِيدِ ) ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْم سِيرُوا إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ التِي وَعَدَ اللهُ أبَاكُمْ إِبْرَاهِيمَ بأنْ يُسْكِنَ فِيها مَنْ آمَنَ مِنْ نَسْلِهِ ، وَلاَ تَرْجِعُوا - بَعْدَ الذِي جِئْتُكُمْ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالهُدَى - إلَى الوَثَنِيَّةِ وَالفَسَادِ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ وَالبَغْي وَاتِّبَاعِ الأهْوَاءِ ، فَإِنَّ فِي هذا الرُّجُوعِ خُسْرانًا لَكُمْ .
فَاعْتَذَرُوا عَنْ دُخُولِ البَلَدِ بِأَنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ ذَوي خِلَقٍ هَائِلَةٍ ، وَأَجْسَامٍ ضَخْمَةٍ ، وَقُوى شَدِيدةٍ ، وَأنَّهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى قِتَالِهِمْ ، وَلاَ يُمْكِنُهُمُ الدُّخُولُ إِلَيْهَا ، مَا دَامَ الجَبَّارُونَ فِيهَا ، فَإِنْ خَرَجُوا مِنْهَا ، دَخَلَها قَوْمُ مُوْسَى ، وَإلاَّ فَإِنَّهُمْ لاَ طَاقَةَ لَهُمْ بِقِتَالِ الجَبَّارِينَ .
فَلَمَّا نَكَلَ بَنُو إسْرَائِيلَ عَنْ إِطَاعَةِ أمْرِ رَبِّهِمْ ، وَمُتَابَعَةِ مُوسَى ، حَرَّضَهُمْ رَجُلاَنِ ، للهِ عَلَيْهِمَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَهُمَا مِمَّنْ يَخَافُ اللهُ وَيَخْشَى عِقَابَهُ ، فَقَالاَ لِقَوْمِهِمَا: إنْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ ، وَتَبِعْتُمْ أمْرَهُ ، وَوَافَقْتُمْ رَسُولَهُ ، نَصَرَكُمْ رَبُّكُمْ عَلى أعْدَائِكُمْ ، وَأيَّدَكُمْ وَأظْفَرَكُمْ بِهِمْ ، وَدَخَلْتُمُ البَلَدَ الذِي كَتَبَ اللهُ لَكُمُ السُّكْنَى فِيها ، فَلَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ هذا القَوْلُ شَيئًا .
وَلَكِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَصَرُّوا عَلَى النُّكُولِ عَنِ الجِهَادِ ، وَعَلَى مُخَالَفَةِ رَسُولِهِمْ ، فَقَالوُا لَهُ: إنَّهُمْ لَنْ يَدْخُلُوا البَلَدَ مَا دَامَ الجَبَّارُونَ مُقِيمِينَ فِيهَا ، فَإِذا أصَرَّ مُوسَى عَلَى الجِهَادِ فَلْيَذْهَبْ هُوَ وَرَبُّهُ فَلْيُقَاتِلاَ الجَبَّارِينَ ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ نَتِيجَةَ المَعْرَكَةِ قَاعِدِينَ ، حَيْثُ هُمْ يُقِيمُونَ .
فَلَمَّا نَكَلُوا عَنِ القِتَالِ ، غَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسَى ، وَاتَّجَهَ إلى اللهِ بِالدُّعَاءِ ، فَقَالَ: يَا رَبِّ لَيْسَ بَيْنَ هَؤُلاءِ مَنْ يُطِيعُنِي وَيُجِيبُنِي إلى تَنْفِيذِ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ إلاَّ نَفْسِي وَأَخِي هَارُونَ ، فَاقْضِ يَا رَبِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلاءِ القَوْمِ ، الخَارِجِينَ عَلَى طَاعَتِكَ ( الفَاسِقِينَ ) ، بِقَضَاءِ تَقْضِيهِ بَيْنَنَا ، فَتَحْكُمَ لَنَا بِمَا نَسْتَحِقُّ ، وَتَحْكُمَ لَهُمْ بِمَا يَسْتَحِقُّونَ .
( وَقِيلَ إنَّ المَعْنَى هُوَ: إنَّكَ إذَا أَخَذْتَهُمْ بِالعِقَابِ عَلَى فِسْقِهِمْ ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَتِكِ ، فَلا تُعَاقِبْنا مَعَهُمْ ) .
فَلَمَّا دَعَا مُوسَى عَلَيهِم ، حِينَ نَكَلُوا عَنِ الجِهَادِ ، قَضَى اللهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ حَرَّمَ عَلَيهِمْ دُخُولَها أربعينَ سَنَةً ، يَتِيهُونَ خِلاَلَهَا فِي الأَرْضِ ( أيْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ ) ، وَيَبْقَوْنَ مُتَحَيِّرِينَ مُتَرَدِّدينَ ، لاَ يَدْرُونَ مَصِيرَهُمْ ، وَلاَ يَهْتَدُونَ إلى الخُرُوجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ ، خِلاَلَ المُدَّةِ التِي قَضَاهَا . اللهُ عَلَيْهِمْ .