وَخِلاَلَ وُجُودِهِمْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ تُوُفِّيَ مُوسَى وَهَارُونُ ، عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ، وَتَوَلَّى قِيَادَةَ بَني إسْرَائِيلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ( وَهُوَ مِنْ نَسْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ) وَجَعَلَهُ الله نَبِيًّا فِيهِمْ ، وَتُوُفِّيَ أكْثَرُ الجِيلِ القَدِيمِ ، وَنَشَأ فِي الصَّحْرَاءِ وَالحُرِّيَّةِ جِيلٌ جَدِيدٌ . فَلَمَّا انْقَضَتِ المُدَّةُ التِي قَضَاهَا اللهُ عَلَيهِمْ ، خَرَجَ بِهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ، وَتَوَجَّهَ بِهِمْ إلى إحْدَى المُدُنِ فَحَاصَرَهَا وَفَتَحَها .
ثُمَّ سَلَّى اللهُ نَبِيَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ: لاَ تَأسَفْ عَلَيْهِمْ ، وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَضَيْتُ عَلَيْهِمْ ، فَإنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ .
وَهَذِهِ القِصَّةُ تَتَضَمَّنُ تَقْرِيعًا لِليَهُودِ ، وَبَيانًا لِفَضَائِحِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ أمْرَ رَبِّهِمْ وَأمْرَ رَسُولِهِ ، ونكُولِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِمَا .
إنها حلقة من قصة بني إسرائيل التي فصلها القرآن أوسع تفصيل . . ذلك لحكمة متشعبة الجوانب . .
من جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها . فقد كانوا حربا على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول . هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في المدينة ; وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معا . وهم الذين حرضوا المشركين وواعدوهم وتآمروا معهم على الجماعة المسلمة . وهم الذين تولوا حرب الإشاعات والدس والكيد في الصف المسلم ; كما تولوا بث الشبهات والشكوك والتحريفات حول العقيدة وحول القيادة . وذلك كله قبل أن يسفروا بوجوههم في الحرب المعلنة الصريحة . فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة , لتعرف من هم أعداؤها . ما طبيعتهم ? وما تاريخهم ? وما وسائلهم ? وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم ?
ولقد علم الله أنهم هم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله ; كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم كله . فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفا ; ووسائلهم كلها مكشوفة .
ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين الله الأخير . وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة من التاريخ طويلة ; ووقعت الانحرافات في عقيدتهم ; ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق الله معهم ; ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف , كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم . .
فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة - وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها - بتاريخ القوم , وتقلبات هذا التاريخ ; وتعرف مزالق الطريق , وعواقبها ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم , لتضم هذه التجربة في حقل العقيدة والحياة - إلى حصيلة تجاربها ; وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون . ولتتقي - بصفة خاصة - مزالق الطريق , ومداخل الشيطان , وبوادر الانحراف , على هدى التجارب الأولى .