ومن جوانب هذه الحكمة أن تجربة بني إسرائيل ذات صحائف شتى في المدى الطويل . وقد علم الله أن الأمد حين يطول على الأمم تقسو قلوبها ; وتنحرف أجيال منها ; وأن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة , ستصادفها فترات تمثل فيها فترات من حياة بني إسرائيل ; فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتها ومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة , نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم ; يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته . ذلك أن أشد القلوب استعصاء على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت ثم انحرفت ! فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة , لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزها , وينفض عنها الركام , لجدته عليها , وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها لأول مرة . فأما القلوب التي نوديت من قبل , فالنداء الثانيلا تكون له جدته , ولا تكون له هزته ; ولا يقع فيها الإحساس بضخامته وجديته , ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف , وإلى الصبر الطويل !
وجوانب شتى لحكمة الله في تفصيل قصة بني إسرائيل , وعرضها مفصلة على الأمة المسلمة وارثة العقيدة والدين ; القوامة على البشر أجمعين . .
جوانب شتى لا نملك هنا المضي معها أكثر من هذه الإشارات السريعة . .
لنعود إلى هذه الحلقة , في هذا الدرس , في هذه السورة: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم . إذ جعل فيكم أنبياء , وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين . يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) . .
وإننا لنلمح في كلمات موسى - عليه السلام - إشفاقه من تردد القوم ونكوصهم على الأعقاب . فلقد جربهم من قبل في"مواطن كثيرة"في خط سير الرحلة الطويل . .
جربهم وقد أخرجهم من أرض مصر ; وحررهم من الذل والهوان , باسم الله وبسلطان الله الذي فرق لهم البحر , وأغرق لهم فرعون وجنده . فإذا هم يمرون على قوم يعكفون على أصنام لهم , فيقولون (يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) . .
وما يكاد يغيب عنهم في ميقاته مع ربه حتى يتخذ السامري من الحلي التي سرقوها معهم من نساء المصريين عجلا ذهبا له خوار ; ثم إذا هم عاكفون عليه يقولون:إنه إله موسى الذي ذهب لميقاته ! . .
وجربهم وقد فجر لهم من الصخر ينابيع في جوف الصحراء , وأنزل عليهم المن والسلوى طعاما سائغا , فإذا هم يشتهون ما اعتادوا من أطعمة مصر - أرض الذل بالنسبة لهم - فيطلبون بقلها وقثاءها وفومها وعدسها وبصلها , ولا يصبرون عما ألفوا من طعام وحياة في سبيل العزة والخلاص , والهدف الأسمى , الذي يسوقهم موسى إليه وهم يتسكعون ! . .