وجربهم في قصة البقرة التي أمروا بذبحها فتلكأوا وتسكعوا في الطاعة والتنفيذ . . (فذبحوها وما كادوا يفعلون) ! وجربهم وقد عاد من ميقات ربه ومعه الألواح وفيها ميثاق الله عليهم وعهده . فأبوا أن يعطوا الميثاق وأن يمضوا العهد مع ربهم - بعد كل هذه الآلاء وكل هذه المغفرة للخطايا - ولم يعطوا الميثاق حتى وجدوا الجبل منتوقا فوق رؤوسهم , (وظنوا أنه واقع بهم) ! . .
لقد جربهم في مواطن كثيرة طوال الطريق الطويل . .
ثم ها هو ذا معهم على أبواب الأرض المقدسة . أرض الميعاد التي من أجلها خرجوا . الأرض التي وعدهم الله أن يكونوا فيها ملوكا , وأن يبعث من بينهم الأنبياء فيها ليظلوا في رعاية الله وقيادته . .
لقد جربهم فحق له أن يشفق , وهو يدعوهم دعوته الأخيرة , فيحشد فيها ألمع الذكريات , وأكبر البشريات , وأضخم المشجعات وأشد التحذيرات: (يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم . إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا , وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين . يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) . .
نعمة الله . ووعده الواقع من أن يجعل فيهم أنبياء ويجعلهم ملوكا . وإيتاءه لهم بهذا وذلك ما لم يؤت أحدا من العالمين حتى ذلك التاريخ . والأرض المقدسة التي هم مقدمون عليها مكتوبة لهم بوعد الله . فهي إذن يقين . .
وقد رأوا من قبل كيف صدقهم الله وعده . وهذا وعده الذي هم عليه قادمون . . والارتداد على الأدبار هو الخسران المبين . .
ولكن إسرائيل . , هي إسرائيل !!!
الجبن . والتمحل . والنكوص على الأعقاب . ونقض الميثاق:
(قالوا:يا موسى إن فيها قوما جبارين ; وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها , فإن يخرجوا منها فإنا داخلون) . إن جبلة يهود لتبدو هنا على حقيقتها , مكشوفة بلا حجاب ولو رقيق من التجمل . ذلك أنهم أمام الخطر ; فلا بقية إذن من تجمل ; ولا محاولة إذن للتشجع , ولا مجال كذلك للتمحل . إن الخطر ماثل قريب ; ومن ثم لا يعصمهم منه حتى وعد الله لهم بأنهم أصحاب هذه الأرض , وأن الله قد كتبها لهم - فهم يريدونه نصرا رخيصا , لا ثمن له , ولا جهد فيه . نصرا مريحا يتنزل عليهم تنزل المن والسلوى !
(إن فيها قوما جبارين . . وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها . . فإن يخرجوا منها فإنا داخلون) . . ولكن تكاليف النصر ليست هكذا كما تريدها يهود !
وهي فارغة القلوب من الإيمان !