فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 608

مَنْ هَذَا الذِي يُنْفِقُ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَطَمَعًا فِي مَثُوبَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ ، مُحْتَسِبًا أَجْرَهُ عِنْدَ اللهِ ، فَيَعُدُّ اللهُ لَهُ ذَلِكَ قَرْضًا للهِ تَعَالَى ، فَيُضَاعِفُ لَهُ ذَلِكَ القَرْضَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ، وَيُثيبُهُ مَثُوبَةً كَرِيمةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ يَوْمَ القِيَامَةِ؟

إن الله - سبحانه - يخاطب القلوب التي خلقها , فهو يعلم أحوالها , ويعرف مداخلها , ويطلع على خوافيها . .

وهو يعلم أن نقاء العقيدة , وخلوص القلب , واستقرار حقيقة الإيمان استقرارا تنبثق منه آثاره ونتائجه في واقع الحياة , من بذل وتضحية وتقدمة خالصة لله . أن هذا أمر يكلف الطاقة البشرية كثيرا ; ويحتاج منها إلى جهد ومجاهدة طويلة . ومن ثم يحشد لها هذه الإيقاعات وهذه المؤثرات ; ويكشف لها عن الحقائق الكونية لتراها وتتأثر بها , وتزن كل شيء بميزانها الكبير الدقيق . ويعالجها المرة بعد المرة , والخطوة بعد الخطوة ; ولا يكلها إلى هتاف واحد , أو بيان واحد , أو مؤثر واحد يوقع على أوتارها ثم يغيب . .

ومنهج القرآن الإلهي في علاج القلوب جدير بأن يقف الدعاة إلى الله أمامه طويلا ; ليتدبروه ويحاولوا أن يقلدوه !

إن الإيقاعات الأولى في مطلع السورة من القوة والتوالي والعمق والتأثير , بحيث تزلزل القلوب الجامدة , وتلين القلوب القاسية , وتدعها مرهفة الحساسية . ولكن القرآن لا يكل قلوب المخاطبين إلى هذه اللمسات الأولى , وهو يدعوهم إلى الإيمان والبذل في الفقرة التالية: (آمنوا بالله ورسوله , وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) . .

والمخاطبون هنا هم مسلمون , ولكنهم يدعون إلى الإيمان بالله ورسوله . فهي إذن حقيقة الإيمان يدعون لتحقيقها في قلوبهم بمعناها . وهي لفتة دقيقة . وهم يدعون إلى الإنفاق , ومع الدعوة لمسة موحية . فهم لا ينفقون من عند أنفسهم . إنما ينفقون مما استخلفهم الله فيه من ملكه . وهو الذي (له ملك السماوات والأرض) . . فهو الذي استخلف بني آدم جملة في شيء من ملكه . وهو الذي (يحيي ويميت) . . فهو الذي استخلف جيلا منهم بعد جيل .

وهكذا ترتبط هذه الإشارة بما سبق من الحقائق الكلية في مطلع السورة . ثم تقوم هي بدورها في استثارة الخجل والحياء من الله , وهو المالك الذي استخلفهم وأعطاهم , فماذا هم قائلون حين يدعوهم إلى إنفاق شيء مما استخلفهم فيه ومما أعطاهم ?!

وفي نهنهة النفوس عن الشح , والله هو المعطي ولا نفاد لما عنده , فماذا يمسكهم عن البذل والعطاء , وما في أيديهم رهن بعطاء الله ?!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت