ولكنه لا يكلهم إلى هذا التذكير وما يثيره من خجل وحياء , ومن سماحة ورجاء . إنما يخاطبهم بمؤثر جديد . يخجلهم من كرم الله ويطمعهم في فضله: (فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير) . .
فكيف يتخلف متخلف عن الإيمان والبذل في مواجهة هذا الكرم والفضل ?
غير أن القرآن لا يكلهم إلى هذه اللمسات الأولى . إنما يلح على قلوبهم بموحيات الإيمان وموجباته من واقع حياتهم وملابساتها: (وما لكم لا تؤمنون بالله , والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم , وقد أخذ ميثاقكم , إن كنتم مؤمنين . هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور . وإن الله بكم لرؤوف رحيم) . .
فما الذي يعوقهم عن الإيمان - حق الإيمان - وفيهم الرسول يدعوهم إلى الإيمان . وقد بايعوه عليه وأعطوه ميثاقهم ?
وما الذي يعوقهم عن الإيمان بالله وهو ينزل على عبده آيات بينات تخرجهم من ظلمات الضلال والشك والحيرة إلى نور الهدى واليقين والطمأنينة ? وفي هذا وذاك من دلائل الرأفة والرحمة بهم ما فيه .
إن نعمة وجود الرسول بين القوم , يدعوهم بلغة السماء , ويخاطبهم بكلام الله , ويصل بينهم وبين الله في ذوات نفوسهم وخواص شؤونهم . .
نعمة فوق التصور حين نتملاها نحن الآن من بعيد . .
فهذه الفترة - فترة الوحي وحياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فترة عجيبة حقا . . إن الله - جل جلاله - يخاطب هذا البشر من صنع يديه , على لسان عبده - صلى الله عليه وسلم - وفي رحمة علوية ندية يقول لهم:خذوا هذا ودعوا ذاك !
ها هو ذا طريقي فاسلكوه ! لقد تعثرت خطاكم فهاكم حبلي !
لقد أخطأتم وأثمتم فتوبوا وها هو ذا بابي مفتوح . تعالوا ولا تشردوا بعيدا , ولا تقنطوا من رحمتي التي وسعت كل شيء . .
وأنت يا فلان - بذاتك وشخصك - قلت كذا . وهو خطأ . ونويت كذا . وهو إثم . وفعلت كذا وهي خطيئة . .
فتعال هنا قدامي وتطهر وتب وعد إلى حماي . .
وأنت يا فلان - بذاتك وشخصك - أمرك الذي يعضلك هذا حله . وسؤالك الذي يشغلك هذا جوابه . وعملك الذي عملت هذا وزنه !
إنه الله . هو الذي يقول . يقول لهؤلاء المخاليق . وهم يعيشون معه . يحسون أنه معهم . حقيقة وواقعا . أنه يستمع إلى شكواهم في جنح الليل ويستجيب لها . وأنه يرعاهم في كل خطوة ويعنى بها . .