ألا إنه لأمر فوق ما يطيق الذي لم يعش هذه الفترة أن يتصور . ولكن هؤلاء المخاطبين بهذه الآيات عاشوها فعلا . .
ثم احتاجوا إلى مثل هذا العلاج ومثل هذه اللمسات , ومثل هذا التذكير . .
وهو فضل من الله ورحمة فوق فضله ذاك ورحمته . يدركهما ويشعر بهما من لم تقدر له الحياة في هذه الفترة العجيبة:
ورد في صحيح البخاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوما لأصحابه:"أي المؤمنين أعجب إليكم ?"قالوا:الملائكة . قال"وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم ?". قالوا:فالأنبياء . قال:"وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ?". قالوا:فنحن . قال:"وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ? ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها". .
وصدق رسول الله . إنه لأمر متفاوت . وإن موحيات الإيمان وموجباته لديهم لشيء هائل , هائل , عجيب عجيب . وهو يعجب:ما لهم لا يؤمنون ?
ثم يطلب إليهم تحقيق الإيمان في نفوسهم إن كانوا مؤمنين !
ثم ينتقل بهم من موحيات الإيمان وموجباته إلى موحيات الإنفاق وموجباته في توكيد وتكرير: (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض ?) . .
وفي هذه الإشارة عودة إلى حقيقة: (له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور) . .
فميراث السماوات والأرض ملكه وراجع إليه , وما استخلفوا فيه إذن سيؤول إليه في الميراث ! فما لهم لا ينفقون في سبيله حين يدعوهم إلى الإنفاق . وهو استخلفهم فيه كما قال لهم هناك . وكله عائد إليه كما يقول لهم هنا ? وما الذي يبقى من دواعي الشح وهواتف البخل أمام هذه الحقائق في هذا الخطاب ?
ولقد بذلت الحفنة المصطفاة من السابقين , من المهاجرين والأنصار , ما وسعها من النفس والمال , في ساعة العسرة وفترة الشدة - قبل الفتح - فتح مكة أو فتح الحديبية وكلاهما اعتز به الإسلام أيام أن كان الإسلام غريبا محاصرا من كل جانب , مطاردا من كل عدو , قليل الأنصار والأعوان . وكان هذا البذل خالصا لا تشوبه شائبة من طمع في عوض من الأرض , ولا من رياء أمام كثرة غالبة من أهل الإسلام . كان بذلا منبثقا عن خيرة اختاروها عند الله ; وعن حمية لهذه العقيدة التي اعتنقوها وآثروها على كل شيء وعلى أرواحهم وأموالهم جميعا . . ولكن ما بذلوه - من ناحية الكم - كان قليلا بالقياس إلى ما أصبح الذين جاءوا بعد الفتح يملكون أن يبذلوه . فكان بعض هؤلاء يقف ببذله عند القدر الذي يعرف ويسمع أن بعض السابقين بذلوه!