القِتَالَ هُوَ دَفْعٌ لِلاعْتِدَاءِ ، وَجَزَاءٌ عَلَى نَكْثِ العَهْدِ ، وَعَلَى مُبَاشَرَتِهِمْ بِالاعْتِدَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ ، وَلَوْ كَانَ ذلكَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ . وَيَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنينَ - إِذَا بَدَأَ المُشْرِكُونَ بِالاعتِدَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ ، وَقَاتَلُوهُمْ لِيَصُدُّوهُمْ عَنْ زِيَارةِ المَسْجِدِ الحَرَامِ - بِأَنْ يُخْرِجَ المُسْلِمُونَ المُشِرْكِينَ مِنْ مَكَّةَ ، كَمَا أَخْرَجُوا الرَّسُولَ وَالمُؤْمِنينَ مِنْها ، لأنَّ فِتْنَتَهُم المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالإِيذَاءِ وَالتَّعذِيبِ وَالإِخْرَاجِ مِنَ الوَطَنِ ، وَمُصَادَرَةُ الأَمْوَالِ . . . كُلُّ ذلِكَ أَشَدُّ قُبْحًا مِنَ القَتْلِ فِي البَلَدِ الحَرَامِ .
وَاسْتَثْنَى اللهُ مِنْ قَتْلِ المُشْرِكِينَ ، فِي كُلِّ مَكَانٍ أَدْرَكَهُمْ فِيهِ المُسْلِمُونَ ، المَسْجِدَ الحَرَامَ ، فَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ، إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلَ فِيهِ وَيَنْتَهِكَ حُرْمَتَهُ ، فَحِينَئذٍ لاَ يَكُونُ لَهُ أَمَانٌ ، وَذلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ المَعْتَدِينَ .
فَإِذا تَرَكَ الكَافِرُونَ الكُفْرَ ، وَأَسْلَمُوا وَتَابُوا فَإِنَّ الإِسْلاَمَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ ، وَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ التِي ارْتَكَبُوهَا مِنْ قَبْلُ ، وَلَوْ كَانُوا قَتَلُوا المُسْلِمِينَ فِي الحَرَمِ ، لأَنَّهُ تَعَالَى لا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ .
وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِقِتَالِ الكُفَّارِ حَتَّى لاَ تَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ يَفْتِنُونَ بِهَا المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ ، وَيَمْنَعُونَهُمْ مِنْ إِظْهَارِهِ ، وَالدَّعْوَةِ إِلَيهِ ، وَحَتَّى لاَ يَكُونَ هُنَاكَ شِرْكٌ ، وَحَتَّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا ، وَدِينُهُ هُوَ الظَّاهِرَ العَاليَ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ . فَإِنِ انْتَهَى المُشْرِكُونَ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ، وَكَفُّوا عَنْ قِتَالِ المُسْلِمِينَ ، فَلاَ سَبيلَ لِلْمُسْلِمِينَ إِلى قِتَالِهِمْ ، لأَنَّ القِتَالَ إِنَّما شُرِعَ لِرَدْعِ الكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالفِتْنَةِ . وَالعُدْوَانُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالكُفْرِ وَالمَعَاصِي ، وَتَجَاوَزَ العَدْلَ .
ويُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حُكْمَ القِتَالِ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ ، وَهِيَ رَجَبٌ وَذُو القِعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ ، فَالذِي يَنْتَهِكُ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الحَرَامِ جَزَاؤُهُ أَنْ يُحْرَمَ الضَّمَانَاتِ التِي كَفِلَهَا لَهُ الشَّهْرُ الحَرَامُ ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ الأَشْهُرَ الحُرُمَ وَاحَةَ أَمْنٍ تُصَانُ فِيها الدِّماءُ وَالأَمْوَالُ وَالحُرُمَاتُ ، وَلكِنْ مَنْ أَرَادَ العُدْوَانَ عَلَى المُسْلِمِينَ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ ، فَقَدْ أَجَازَ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ الرَّدَّ عَلَيهِ بِمِثْلِ عُدْوَانِهِ ، بِدُونِ تَجَاوُزٍ وَلاَ مُغَالاَةٍ فِي المُجَازَاةِ وَالقِصَاصِ إِذْ أَمَرَهُمُ اللهُ بِالتَّقْوى ، وَذَكَّرهُمْ بِأَنَّهُ مَعَ المُتَّقِينَ .
وَبِمَا أَنَّ المُشْرِكِينَ مَنَعُوا الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍ لِلْهجْرَةِ ، وَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ قَدِ انْتَهَكُوا حُرْمَةَ الشَّهْرِ الحَرَام بِالصَّدِّ عَنِ البَيْتِ الحَرَامِ ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ بَعْدَ أَنِ اتَّفَقَ مَعَهُمْ ، وَجَازَاهُمْ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرَامِ .
الحُرُمَاتُ قِصَاصٌ - أَيْ يَجِبُ مُقَاصَّةُ المُشْرِكِينَ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرَامِ ، وَالحُرُمَاتُ هِيَ مَا تَجِبُ المُحَافَظَةِ عَلَيهِ .
وقد بَذَلَ الأَنْصَارُ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِ اللهِ ، وَنُصْرَةِ دِينِهِ ، وَأوَوا المُهَاجِرِينَ وَسَاعَدُوهُمْ ، فَلَمَّا أَعَزَّ اللهُ الإِسْلامَ ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ ، قَالَ بَعْضُ الأَنْصَارِ لِبَعْضٍ: لَوْ أَنَّهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَأَصْلَحُوهَا . فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ . وَفِيها يُبَيِّنُ اللهُ لَهُمْ أَنَّ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ ، وَإِصْلاَحَهَا ، وَتَرْكَ الغَزْوِ وَالجِهَادِ وَالإِنْفَاقِ