فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 608

على النقمة منه ، جاء قوله تعالى: « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » ضابطا لمشاعر الانتقام من العدو المعتدى ، مذكرا المسلمين بالتقوى في هذا الموطن ، فلا يأخذون أكثر من حقهم في تأديب العدوّ ، وكسر شوكته ، فإذا تخلّى المسلمون عن التقوى في هذا الموطن تخلّى عنهم عون اللّه ونصره.

وقوله تعالى: « وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » . دعوة إلى البذل في وجوه الحق والخير ، وأولى هذه الوجوه ما كان في الجهاد في سبيل اللّه ، فهذا باب أجزل اللّه فيه الثواب لأهله ، وخصهم بالمزيد من فضله ورضوانه ، ولهذا اقتضت حكمة اللّه سبحانه أن يشارك المجتمع الإسلامى كله في الجهاد ، كل بحسب جهده وقدرته ، وذلك حتى لا يحرم أحد منه هذا الخير الكثير ، بالقليل من الجهد ..

فمن جهز غازيا فقد غزا ، ومن أعان في إعداد أدوات الحرب ، ومئونة الجيش فقد غزا ، ومن قام على خدمة من خلّف المجاهدون وراءهم من أهل وولد ، فهو في المجاهدين .. وهكذا كل عمل يقوّى من جبهة المجاهدين هو من الجهاد المبرور المقبول عند اللّه.

هذا ، وقد يعمل المجاهد في أكثر من ميدان ، فيجهز المجاهدين بما له ، وينفق في كل ما تحتاج إليه الحرب من سلاح ومتاع ، ثم يكون هو مع المجاهدين في ميدان القتال ، وإنه على قدر العمل يكون الثواب.

وفى قوله تعالى: « وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » تنبيه وتحذير من هذا الشعور الحماسى الذي قد يغلب على المجاهد وهو في ميدان المعركة ، فيتحدى الموت الذي يتخطف النفوس من حوله ، فيندفع متهورا يلقى الموت في غير مبالاة.

والإسلام حريص على أهله ضنين بهم ، فلا يبيع حياتهم إلا بالثمن الكريم الغالي ، ولا يقتضيها هذا البيع إلا حيث تجب التضحية والفداء في سبيل اللّه ، ولا سبيل آخر غير هذا السبيل تقدم فيه النفوس قربانا للّه وفى سبيل اللّه.

وعلى هذا فإن واجبا على المسلم إذ يشرى نفسه ابتغاء مرضاة اللّه ، وإذ يدفع بها في مزدحم المنايا ، أن يتقاضى الثمن المجزى لها ، وأن يأخذ لها حقها الكامل في القتال ، بالنكاية في العدو ، فإن قتل بعدها فقد كتب بدمه الطهور حرفا من حروف النصر للجبهة المقاتل فيها ، وللجماعة المحارب معها.

وفى قوله تعالى: « وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » دعوة إلى الإحسان المطلق ، الإحسان في كل أمر يقوم عليه الإنسان ويؤديه ، للّه أو لنفسه أو للناس .. وعن هذه الدعوة إلى الإحسان المطلق تتجه دعوة خاصة إلى الإحسان في مواطن القتال ، فيقاتل المسلم على بصيرة ، ولا يكن من همّه الأول أن يقتل ويستشهد في سبيل اللّه ، بل أن يكون مقصده النيل من العدو ، والنكاية به ، إذ يقتل فرسانه وشجعانه ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت