فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 608

فذلك هو المطلوب أولا ، فإن قتل وهو يسعى لتحقيق هذه الغاية لم يكن مجرد شهيد ، بل كان بطلا يحمل شهادة أعداد من الشهداء." [1] "

وفي تفسير المنار:"وَرَدَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْإِذْنِ بِالْقِتَالِ لِلْمُحْرِمِينَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِذَا فُوجِئُوا بِالْقِتَالِ بَغْيًا وَعُدْوَانًا ، فَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا أَتَمَّ الِاتِّصَالِ ; لِأَنَّ الْآيَةَ السَّابِقَةَ بَيَّنَتْ أَنَّ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ عَامَّةً وَفِي الْحَجِّ خَاصَّةً . وَهُوَ فِي أَشْهُرٍ هِلَالِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ كَانَ الْقِتَالُ فِيهَا مُحَرَّمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ . وَأَخْرَجَ الْوَاحِدِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ ثُمَّ صَالَحَهُ الْمُشْرِكُونَ ، فَرَضِيَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَامَهُ الْقَابِلَ وَيُخْلُوا لَهُ مَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَطُوفُ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ ، تَجَهَّزَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَخَافُوا أَلَّا تَفِيَ لَهُمْ قُرَيْشٌ وَأَنْ يَصُدُّوهُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالْقُوَّةِ وَيُقَاتِلُوهُمْ ، وَكَرِهَ أَصْحَابُهُ قِتَالَهُمْ فِي الْحَرَمِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ ; فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) يَقُولُ: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ تَخَافُونَ أَنْ يَمْنَعَكُمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ عَنْ زِيَارَةِ بَيْتِ اللهِ وَالِاعْتِمَارِ فِيهِ نَكَثًا مِنْهُمْ لِلْعَهْدِ وَفِتْنَةً لَكُمْ فِي الدِّينِ ، وَتَكْرَهُونَ أَنْ تُدَافِعُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ بِقِتَالِهِمْ فِي الْإِحْرَامِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ ، إِنَّنِي أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الْقِتَالِ عَلَى أَنَّهُ دِفَاعٌ فِي سَبِيلِ اللهِ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ عِبَادَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَتَرْبِيَةً لِمَنْ يَفْتِنُكُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَيَنْكُثُ عَهْدَكُمْ ، لَا لِحُظُوظِ النَّفْسِ وَأَهْوَائِهَا ، وَالضَّرَاوَةِ بِحُبِّ التَّسَافُكِ ، فَقَاتِلُوا فِي هَذِهِ السَّبِيلِ الشَّرِيفَةِ مَنْ يُقَاتِلُكُمْ (وَلَا تَعْتَدُوا) بِالْقِتَالِ فَتَبْدَءُوهُمْ ، وَلَا فِي الْقِتَالِ فَتَقْتُلُوا مَنْ لَا يُقَاتِلُ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالشُّيُوخِ وَالْمَرْضَى ، أَوْ مَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَكَفَّ عَنْ حَرْبِكُمْ ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الِاعْتِدَاءِ كَالتَّخْرِيبِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ ، وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الْفِعْلَ الْمَنْفِيَّ يُفِيدُ الْعُمُومَ"

عَلَّلَ الْإِذْنَ بِأَنَّهُ مُدَافَعَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ ، وَعَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) أَيْ: إِنَّ الِاعْتِدَاءَ مِنَ السَّيِّئَاتِ الْمَكْرُوهَةِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى لِذَاتِهَا فَكَيْفَ إِذَا كَانَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ ، وَفِي أَرْضِ الْحَرَمِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ ؟ ثُمَّ قَالَ: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) أَيْ: إِذَا نَشِبَ الْقِتَالُ فَاقْتُلُوهُمْ أَيْنَمَا أَدْرَكْتُمُوهُمْ وَصَادَفْتُمُوهُمْ وَلَا يَصُدَنَّكُمْ عَنْهُمْ أَنَّكُمْ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ إِلَّا مَا يُسْتَثْنَى فِي الْآيَةِ بِشَرْطِهِ (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) أَيْ: مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَخْرَجُوكُمْ مِنْهُ وَهُوَ مَكَّةُ ; فَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَخْرَجُوا النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهَا بِمَا كَانُوا يَفْتِنُونَهُمْ فِي دِينِهِمْ ، ثُمَّ صَدُّوهُمْ عَنْ دُخُولِهَا لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ ، فَرَضِيَ النَّبِيُّ وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَسْمَحُوا لَهُمْ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ بِدُخُولِهَا ، لِأَجَلِ النُّسُكِ وَالْإِقَامَةِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا أَنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ ، أَلَيْسَ مِنْ

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 211)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت