فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 608

رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ أَنْ يُقَوِّيَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَأْذَنَ لَهُمْ بِأَنْ يَعُودُوا إِلَى وَطَنِهِمْ نَاسِكِينَ مُسَالِمِينَ ، وَأَنْ يُقَاوِمُوا مَنْ يَصُدُّهُمْ عَنْهُ مِنْ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ الْخَائِنِينَ ؟ وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِمْ إِنَّهُمْ أَقَامُوا دِينَهُمْ بِالسَّيْفِ وَالْقُوَّةِ دُونَ الْإِرْشَادِ وَالدَّعْوَةِ ؟ كَلَّا . لَا يَقُولُ هَذَا إِلَّا غِرٌّ جَاهِلٌ ، أَوْ عَدُوٌّ مُتَجَاهِلٌ . ثُمَّ زَادَ التَّعْلِيلَ بَيَانًا فَقَالَ: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) أَيْ: إِنَّ فِتْنَتَهُمْ إِيَّاكُمْ فِي الْحَرَمِ عَنْ دِينِكُمْ بِالْإِيذَاءِ وَالتَّعْذِيبِ ، وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الْوَطَنِ ، وَالْمُصَادَرَةِ فِي الْمَالِ ، أَشَدُّ قُبْحًا مِنَ الْقَتْلِ ; إِذْ لَا بَلَاءَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَشَدُّ مِنْ إِيذَائِهِ وَاضْطِهَادِهِ وَتَعْذِيبِهِ عَلَى اعْتِقَادِهِ الَّذِي تَمَكَّنَ مِنْ عَقْلِهِ وَنَفْسِهِ ، وَرَآهُ سَعَادَةً لَهُ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ . وَالْفِتْنَةُ فِي الْأَصْلِ: مَصْدَرٌ ، فَتَنَ الصَّائِغُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ إِذَا أَذَابَهُمَا بِالنَّارِ لِيَسْتَخْرِجَ الزَّغَلَ مِنْهُمَا . وَيُسَمَّى الْحَجَرُ الَّذِي يَخْتَبِرُهُمَا بِهِ أَيْضًا فَتَّانَةً (كَجَبَّانَةٍ) ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ الْفِتْنَةُ فِي كُلِّ اخْتِبَارٍ شَاقٍّ ، وَأَشَدُّهُ الْفِتْنَةُ فِي الدِّينِ وَعَنِ الدِّينِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (29: 2) وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .

وَمَا تَقَرَّرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَجِّ: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) (22: 39 ، 40) الْآيَاتُ . وَهِيَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي شَرْعِ الْقِتَالِ مُعَلَّلًا بِسَبَبِهِ مُقَيَّدًا بِشُرُوطِهِ الْعَادِلَةِ .

وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْفِتْنَةَ هُنَا وَفِي الْآيَةِ الْآتِيَةِ بِالشِّرْكِ وَجَرَى عَلَيْهِ (الْجَلَالُ) ، وَرَدَّهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ يُخْرِجُ الْآيَاتِ عَنْ سِيَاقِهَا ، وَذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ هُنَا بِصِيغَةِ التَّضْعِيفِ . (قِيلَ) : وَرَدَّ قَوْلَهُمْ أَيْضًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِمَا قَبْلَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَبُرَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ بِالْقِتَالِ مَشْرُوطًا لِاعْتِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ ، وَلِأَجْلِ أَمْنِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدِّينِ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ مَطْلُوبًا لِذَاتِهِ . وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ وَقِصَّةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا مَعْنَى لِكَوْنَ بَعْضِهَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ ، وَأَمَّا مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْعُمُومَاتِ فِيهَا بِحُكْمِ أَنَّ الْقُرْآنَ شَرْعٌ ثَابِتٌ عَامٌّ فَذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ .

ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ الْمُحَارِبِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ أُدْرِكُوا فِيهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَقَالَ: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) أَيْ: إِنَّ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ يَكُونُ آمِنًا ، إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَ هُوَ فِيهِ وَيَنْتَهِكَ حُرْمَتَهُ فَلَا أَمَانَ حِينَئِذٍ . وَلَمَّا كَانَ الْقَتْلُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَمْرًا عَظِيمًا يُتَحَرَّجُ مِنْهُ أَكَّدَ الْإِذْنَ فِيهِ بِشَرْطِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِمَا فُهِمَ مِنَ الْغَايَةِ فَقَالَ: (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) وَلَا تَسْتَسْلِمُوا لَهُمْ ، فَالْبَادِئُ هُوَ الظَّالِمُ ، وَالْمُدَافِعُ غَيْرُ آثِمٍ (كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) أَيْ: إِنَّ مِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُجَازِيَ الْكَافِرِينَ مِثْلَ هَذَا الْجَزَاءِ ، فَيُعَذِّبُهُمْ فِي مُقَابَلَةِ تَعَرُّضِهِمْ لِلْعَذَابِ بِتَعَدِّي حُدُودِهِ فَيَكُونُوا هُمُ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ . وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (( وَلَا تَقْتُلُوهُمْ . . . . حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ) )مِنْ قَتَلَ الثُّلَاثِيِّ ، وَيَخْرُجُ عَلَى أَنَّ قَتْلَ بَعْضِ الْأُمَّةِ كَقَتْلِ جَمِيعِهَا لِتَكَافُلِهَا . وَالْمُرَادُ حَتَّى لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت