يَقْتُلُوا أَحَدًا مِنْكُمْ ، فَإِنْ قَتَلُوا أَحَدًا فَاقْتُلُوهُمْ وَهُوَ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ بَلِيغٌ . ثُمَّ قَالَ: (فَإِنِ انْتَهَوْا) عَنِ الْقِتَالِ فَكُفُّوا عَنْهُمْ ، أَوْ عَنِ الْكُفْرِ فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ مِنْهُمْ (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يَمْحُو عَنِ الْعَبْدِ مَا سَلَفَ ، إِذَا هُوَ تَابَ عَمَّا اقْتَرَفَ ، وَيَرْحَمُهُ فِيمَا بَقِيَ ، إِذَا هُوَ أَحْسَنَ وَاتَّقَى (إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (7: 56) .
(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) عَطَفَ عَلَى (قَاتِلُوا) فِي الْآيَةِ الْأُولَى ، فَتِلْكَ بَيَّنَتْ بِدَايَةَ الْقِتَالِ وَهَذِهِ بَيَّنَتْ غَايَتَهُ وَهِيَ أَلَّا يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ ; وَلِهَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَيْ حَتَّى لَا تَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ يَفْتِنُونَكُمْ بِهَا وَيُؤْذُونَكُمْ ; لِأَجْلِ الدِّينِ ، وَيَمْنَعُونَكُمْ مِنْ إِظْهَارِهِ أَوِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) وَفِي آيَةِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (9: 39) أَيْ: يَكُونُ دِينُ كُلِّ شَخْصٍ خَالِصًا لِلَّهِ لَا أَثَرَ لِخَشْيَةِ غَيْرِهِ فِيهِ ، فَلَا يُفْتَنُ لِصَدِّهِ عَنْهُ وَلَا يُؤْذَى فِيهِ ، وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الدِّهَانِ وَالْمُدَارَاةِ ، أَوِ الِاسْتِخْفَاءِ أَوِ الْمُحَابَاةِ ، وَقَدْ كَانَتْ مَكَّةُ إِلَى هَذَا الْعَهْدِ قَرَارَ الشَّرَكِ ، وَالْكَعْبَةُ مُسْتَوْدَعَ الْأَصْنَامِ ، فَالْمُشْرِكُ فِيهَا حُرٌّ فِي ضَلَالَتِهِ ، وَالْمُؤْمِنُ مَغْلُوبٌ عَلَى هِدَايَتِهِ ، قَالَ: (فَإِنِ انْتَهَوْا) أَيْ: فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) أَيْ: فَلَا عُدْوَانَ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ الْعُدْوَانَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الظَّالِمِينَ تَأْدِيبًا لَهُمْ لِيَرْجِعُوا عَنْ ظُلْمِهِمْ ، فِي الْكَلَامِ إِيجَازٌ بِالْحَذْفِ ، وَاسْتِغْنَاءٌ عَنِ الْمَحْذُوفِ بِالتَّعْلِيلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: فَإِنِ انْتَهَوْا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقِتَالِ وَالْفِتْنَةِ فَلَا عُدْوَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ظَالِمًا بِارْتِكَابِهِ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ; أَيْ: فَلَا يُحَارَبُونَ عَامَّةً وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْمُجْرِمُ بِجَرِيمَتِهِ ثُمَّ زَادَ تَعْلِيلَ الْإِذْنِ بِالْقِتَالِ بَيَانًا بِبِنَائِهِ عَلَى قَاعِدَةٍ عَادِلَةٍ مَعْقُولَةٍ فَقَالَ تَعَالَى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) لَمَّا خَرَجَ الْمُؤْمِنُونَ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِلنُّسُكِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَقَاتَلُوهُمْ رَمْيًا بِالسِّهَامِ وَالْحِجَارَةِ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ سَنَةَ سِتٍّ ، وَلَوْ قَابَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَامَئِذٍ بِالْمِثْلِ وَلَمْ يَرْضَ النَّبِيُّ بِالصُّلْحِ لَاحْتَدَمَ الْقِتَالُ ، وَلَمَّا خَرَجُوا فِي الْعَامِ الْآخَرِ لِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ ، وَكَرِهُوا قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ وَإِنِ اعْتَدَوْا وَنَكَثُوا الْعَهْدَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ - بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْمَحْظُورَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِنَّمَا هُوَ الِاعْتِدَاءُ بِالْقِتَالِ دُونَ الْمُدَافَعَةِ ، وَأَنَّ مَا عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْفِتْنَةِ وَإِيذَاءِ الْمُؤْمِنِينَ - لِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ - هُوَ أَشَدُّ قُبْحًا مِنَ الْقَتْلِ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الْعَامِّ وَهُوَ مَنْعُهُمُ الْحَقَّ وَتَأْيِيدُهُمُ الشِّرْكَ . ثُمَّ بَيَّنَ قَاعِدَةً عَظِيمَةً وَهِيَ أَنَّ الْحُرُمَاتِ - أَيْ: مَا يَجِبُ احْتِرَامُهُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ - يَجِبُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الْقِصَاصِ وَالْمُسَاوَاةُ فَقَالَ: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ حُجَّةً لِوُجُوبِ مُقَاصَّةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى انْتِهَاكِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ بِمُقَابَلَتِهِمْ بِالْمَثْلِ ، لِيَكُونَ شَهْرٌ بِشَهْرٍ جَزَاءً وِفَاقًا .