فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 608

وقوله تعالى: « إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ » هو توكيد ، بعد توكيد لهذا الوعد الذي وعده اللّه المؤمنين بالنصر ، إذا هم نصروا اللّه ، ودافعوا عن دين اللّه ..وليس وعد اللّه في حاجة إلى توكيد ، عند المؤمنين باللّه ، ولكنه مبالغة في تطمين القلوب ، وتثبيت الأقدام ، في تلك الساعات التي تزيغ فيها الأبصار ، وتضطرب النفوس ، حين تلتقى جماعة المؤمنين ، في أعدادها القليلة ، بحشود المشركين ، في جحافلها الجرارة! قوله تعالى: « الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ » .

يمكن أن يكون الاسم الموصول: « الَّذِينَ » بدلا من الاسم الموصول في قوله تعالى: « وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ » كما يمكن أن يكون بدلا من الاسم الموصول « الَّذِينَ » في قوله تعالى: « الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ » ..

وعلى أىّ فإن الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ، هم الذين وعدوا بالنصر في قوله تعالى: « وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ » ..فالذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ، وهم المهاجرون ـ هم الذين وعدوا بالنصر ، لأنهم نصروا اللّه ، فخرجوا من ديارهم وأموالهم ، مهاجرين بدينهم الذي هو كل حظهم من هذه الدنيا ، والذي باعوا من أجله أنفسهم وأموالهم وديارهم وأوطانهم ..

وقوله تعالى: « الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ » ـ هو عرض للصورة الكريمة التي سيكون عليها هؤلاء المؤمنون الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ، وذلك حين ينصرهم اللّه ، ويمكّن لهم في الأرض ، وتكون لهم القوة والغلب ..

إنهم ـ مع ما ملكت أيديهم من قوة ، وما مكّن اللّه سبحانه وتعالى لهم في الأرض من سلطان ـ لن يكونوا على شاكلة هؤلاء الضالّين الذين كانت إلى أيديهم القوة والسلطان ، فتسلطوا على عباد اللّه ، ورهقوهم ، وأخذوهم بالبأساء والضراء ، وأخرجوهم من ديارهم بغير حق ..

إن هؤلاء المؤمنين ، حين يمكّن اللّه لهم في الأرض ، سيكونون مصابيح هدى ، وينابيع رحمة ، للإنسانية كلها ، بما يقيمون فيها من موازين الحق ، والعدل ، وما يغرسون في آفاقها من مغارس الخير والإحسان .. إنهم يقيمون الصلاة ، ليستمدوا منها أمداد الهدى من اللّه .. ويؤتون الزكاة ، فيكشفون بها الضرّ عن عباد اللّه .. ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. فيصلحون بهذا من سلوك الناس ، ويقيمون لهم طرقهم مستقيمة ، فلا تتصادم منازعهم ، ولا تفسد مشاربهم ..وقد صدق اللّه وعده ، ومكن سبحانه وتعالى للمؤمنين في الأرض ، فكانوا أعلام هدى ، وآيات رحمة ، وموازين عدل وإحسان بين الناس .. وكانوا كما وصفهم سبحانه بقوله: « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ » (110: آل عمران) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت